اضفه للمفضله اخبر عنا اتصل بنا البث المباشر

التاريخ : 24/7/1428 هـ

بحوث ودراســات

الشيخ/ جماز بن عبدالرحمن الجماز

المعتزلة

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .أما بعد :
فإن الكلام عن علم الكلام وعن المتكلمين ، له ارتباط وثيق بحديثنا عن المعتزلة ، لأنه يُمثِّل التراث لنا من إرث المعتزلة ، والذي نقله الأشاعرة . ويظهر ذلك جلياً من خلال المآخذ التي أخذها أهل السنة على علم الكلام ومنهجه .
ومنها : تعظيم دور العقل وجعله حاكماً لا محكوماً ، فالوثوق بالعقل وقبول مقرراته وأحكامه فيما ليس من شأنه ، هو من المهلكات ، ومن اتباع المتشابهات الذي نهى الله عنه في محكم آياته ، وقد فعلته المعتزلة .
ومنها : اتخاذ الجدل والمراء وسيلة للبحث في الدين ، وقد اتخذته المعتزلة منهجاً وبنوا عليه أقوالهم ، وفي حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه ، إلا أوتوا الجدل ، ثم تلا : {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ }الزخرف58 » خرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي .
ومنها : النظر إلى الشريعة نظر النقص والافتقار ، ذلك أن متكلمة المعتزلة قد اعتقدوا في الشريعة التضارب والتخالف فيتوهمون معنى في عقولهم ، ثم يأتي الحديث الصحيح معارضاً لذلك المعنى ، فيفرون منه فرار المجذوم من الأسد ، وإلا أولوه ، أو ردوه بحجة أنه أحاديث آحاد ؛ هذه بعض المآخذ .
وإذا تأملنا في علم الكلام ، رأينا أنه مرّ بمراحل مختلفة ، عدّها بعضهم أربع مراحل ، وكل مرحلة تختلف في موضوعاتها عن الأخرى ، ويهمنا من ذلك المرحلة الأولى ، وهي مرحلة متقدمي المتكلمين ، وأصحابها هم أئمة المعتزلة كواصل بن عطاء ، وعمرو بن عبيد وخالد بن صفوان ، ثم أبي الهذيل العلاف ثم إبراهيم النظّام .
وتميزت هذه المرحلة بالتأثر بالمصطلحات اليونانية .
والمطالع في سيرة أئمة الكلام ، يرى أن جلهم قد تابوا عن طريقتهم ورجعوا عنها
، وجعلوا في خاتمة عمرهم يتبرءون منها ، أما متكلمي المعتزلة فإنه لم يعرف عن أحدهم أنه تاب وأناب ، وما هذا إلا لإيغالهم في الباطل ، وعدم توجّه نياتهم لطلب الحق أصلاً ، وأنهم رؤوس البدعة والمنشئون لها .
وكان المعتزلة من مهجنة هذا الغزو الفكري ، وما زال أمر هؤلاء المعتزلة يزيد ، وشرهم يعظم ، حتى أصبحوا من أكابر الدولة العباسية ، ومن لم يجب دعوتهم وينتحل بدعتهم سجنوه وعذبوه ، أو حكموا بقتله ، وامتلأت السجون في هذا العهد المظلم بعلماء الأمة وخيرتها ، واشتد المصاب بالمسلمين .
أما فكرهم ومنهجهم : فقد ظل ردحاً من الزمن يشتغل به كثير من العلماء ، ولكن الزمن تكفّل بطمس هؤلاء المعتزلة ، إلاّ أن منهجهم ما زال موجوداً عند فئة العقلانيين في عصرنا
"المعتزلة بين القديم والحديث" لمحمد العبدة وطارق عبد الحليم ص (43 ، 26 ، 30-32 ، 36 ، 42-43) ، "الانحرافات العقدية والعلمية" لعلي الزهراني (1/65-66) .
بدايات الاعتزال
ظهر فكر الاعتزال قبل ظهور الفرقة نفسها ، بمقولات وآراء جدلية ، كانت هي الأسس الأولى للفكر المعتزلي ، فتكلم الجعد بن درهم وقال : إن الله تعالى ليس على العرش حقيقة ، وأن معنى استوى يعني استولى ، وأخذها عنه الجهم بن صفوان ، فأظهرها ثم انتشر القول بنفي الصفات فنسبت الجهمية إليه .
وذكر بعض أهل العلم : أنَّ أصل ذلك الفكر عند الجعد بن درهم ترجع إلى أصول يهودية فلسفية ، وأن مناقشاته مع فرقة السمنية ( جماعة من كفار الهند تقول بالتناسخ ) أدّت إلى تشكيكه في دينه وابتداعه لنفي الصفات .
وأما عن نفي القدر – فظهرت على يد معبد الجهني وغيلان الدمشقي ، وقد ذكر أهل العلم أنهما أخذاها عن نصراني .
ونفي القدر هو أن الإنسان فاعل أفعاله بمحض مشيئته دون الله ، فهو حر مختار في كل ما يفعل ، ثم انتشر القول بنفي القدر فنُسِبت القدرية إليه .
وأما عن مقالة خلق القرآن : فكان أول من قال بها : الجعد بن درهم ، وأخذها عنه بشر المريِّسي .
وأما عن القول بالمنزلة بين المنزلتين : فكان أول من قال بها واصل بن عطاء ، فوافق الخوارج ، ومن هنا سُميّت المعتزلة ( مخانيث الخوارج ) .
فالمعتزلة أخذوا القول بالقدر ، ولذلك سموا بالقدرية ، وأخذوا من الجهمية نفي الصفات ، والقول بخلق القرآن ، ولذلك سموا بالجهمية ، وأخذوا من الخوارج الحكم على مرتكب الكبيرة ، والخروج على الحاكم والظالم ، ولذلك سموا بالخوارج ، ولذلك فإنه كما يقال : المعتزلة القدرية ، فإنه يقال : المعتزلة الجهمية .
أطوار المعتزلة الفكرية :
الطور الأول :
بدأ فكر المعتزلة يتبلور كفرقة مستقلة متميزة في البصرة على يد واصل بن عطاء الذي كان يحضر مجالس الحسن البصري ، ومرة سُئل الحسن عن مرتكب الكبيرة ، يموت دون توبة ، فسكت الحسن , ورد واصل أنه في منزلة بين المنزلتين ، لا يقال مؤمن ولا كافر ، وأنه مخلد في النار ، ولا مانع من تسميته مسلماً باعتباره يظهر الإسلام وينطق الشهادتين .
فلما سمع الحسن بذلك ، رأى أنه خالف بقوله أقوال الفرق قبله ، فطرده من مجلسه ، فاعتزل عند سارية من سواري المسجد "مسجد البصرة" وانضم إليه قرينه في الضلالة عمرو بن عبيد ، واعتزلا حلقة الحسن ، فقال الناس يومئذ فيهما إنهما قد اعتزلا قول الأمة ، وانحاز إليهما من وافق مذهبهما ، وسمُّوا يومئذ المعتزلة ، لاعتزالهما قول الأمة وإجماع المتقدمين من الصحابة والتابعين .
وحصل هذا الاعتقاد بصورة غير معقّدة ولا ملتبسة بشيء من الفلسفة أو مباحثها ، وهو ظاهر في واصل بن عطاء ومن في طبقته .
الطور الثاني :
أدخلت المعتزلة في هذا الطور المباحث الفلسفية والمناهج اليونانية بشكل واضح في الموضوعات التي بحثوها وأضافوها إلى أقوال من سبقهم في البدعة ، وقد انقسم الكلام فيه إلى قسمين : جليل الكلام ، ودقيق الكلام ، فأما جليل الكلام : فهو يبحث في صفات الله وكلامه وقدرته وإرادته ، وفي الإيمان ومعناه ، وما يستتبع ذلك من كلام في الخلق والآجال والأرزاق والثواب والعقاب والختم والطبع والهدى والضلال وغير ذلك ، وهو ذو صلة بالموضوعات المطروحة في الطور الأول .
وأما دقيق الكلام ، فقد نشأ بأكمله ، ويبحث في الجوهر والعرض ، والجسم وحدوده ، والأضداد والعلل ، والإرادة والتولد ، وغير ذلك من مباحث تفوح منها رائحة الفلسفة اليونانية .
وعامة الكلام فيه منقول عن متأخري المعتزلة كالإسكافي ومعمر وأبي الحسين الصالحي وغيرهم
"المعتزلة بين القديم والحديث" للعبدة ، وطارق عبد الحليم ص (102-106 ، 14 ، 73)
"حقيقة البدعة" لسعيد الغامدي (1/159-160 ، 117)
"الموسوعة الميسرة" دار الندوة العالمية ط الثالثة (1/69-70 ، 72)
تنبيه :
يزعم مؤرخ المعتزلة : القاضي عبد الجبار الهمذاني : أن الاعتزال ليس مذهباً جديداً أو أمراً مستحدثاً ، وإنما هو استمرار لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته ، وقد لحقهم هذا الاسم بسبب اعتزالهم الشر ، لقوله تعالى : {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ }مريم 48ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : « من اعتزل الشر سقط في الخير » .
والواقع : أن نشأة الاعتزال كان ثمرة تطور تاريخي لمبادئ فكرية وعقدية وليدة النظر العقلي المجرد ، متأثراً بالفلسفة اليونانية والهندية ، والعقائد اليهودية والنصرانية .
"الموسوعة الميسرة" (1/69) .
التطور السياسي للمعتزلة :
المرحلة الأولى : تكوّن الفرقة ونشأتها في العصر الأموي :
بدأت المعتزلة كفرقة مستقلة في أبان قوة الدولة الأموية في الشام ، وقد كان لشيوخ الفكر الاعتزالي الأوائل من القدرية والجهمية دور كبير ، في كثير من الحركات التي خرجت على تلك الدولة ، فلقوا جزاء شديداً نتيجة ذلك الموقف المعادي للدولة الأموية ، فقد خرج معبد الجهني ، وهو أول من قال بالقدر، على عبد الملك بن مروان مع عبد الرحمن بن الأشعث في حركته التي كادت تقضي على حكم الأمويين ، وقد قتله الحجاج بن يوسف بعد فشل الحركة عام 80هـ .
وخرج الجهم بن صفوان - وهو القائل بنفي الصفات وخلق القرآن – مع الحارث بن سريج على بني أمية ، فقتله سالم بن أحوز في مرو بعد فشل الحركة عام 128هـ ,
أما غيلان الدمشقي فجرت بينه وبين عمر بن عبد العزيز مناقشات بشأن القدر ، فأمسك غيلان عن الكلام فيه حتى مات عمر ، ثم أكمل بدعته حتى قتله هشام بن عبد الملك .
وأما الجعد بن درهم ، فقتله خالد بن عبد الله القسري بعد استفحال أمره ، حيث صعد المنبر في الأضحى وقال : ( ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم ، فإني مضح بالجعد بن درهم ، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ، ولم يكلم موسى تكليماً ، تعالى الله علواً كبيراً عما يقول ابن درهم ثم نزل فذبحه ) .
وهكذا واصل بن عطاء ، قال بالمنزلة بين المنزلتين ، وأظهر القول بالقدر ونفي الصفات ، واعتزل حلقة الحسن ، ونشأت حوله الفرقة ، متابعاً معبد الجهني والجهم ، وتابعه على ذلك عمرو بن عبيد .
وقد كان للمعتزلة دور ونشاط في نشر دعوتهم إبان الدولة الأموية إذ أن يزيد بن الوليد الخليفة الأموي الملقب بيزيد الناقص ، قد قال بقولهم في القدر ، بل وقرب إليه أصحاب غيلان الدمشقي وقد ساعدته المعتزلة في الظفر بالخلافة والقضاء على الخليفة الذي سبقه الوليد بن يزيد بن عبد الملك .
كما أن الجعد بن درهم كان مربيًا لآخر خلفاء الدولة الأموية مروان بن محمد (الحمار) حتى إنه لُقِّب بمروان الجعدي .
وكان لواصل فضل كبير في نشر دعوة الاعتزال ، حيث أنه أرسل دعاته إلى كافة البلدان ، فبعث عبد الله بن الحارث إلى المغرب ، وحفص بن سالم إلى خراسان ، والقاسم إلى اليمن ، والحسن بن ذكوان إلى الكوفة ، وعثمان الطويل شيخ العلاف إلى أرمينية ؛ وقد كان لهؤلاء الدعاة بعض الأثر نتيجة هذا النشاط ، وإن كان بعض من أرّخ لهم قد غالى في عددهم ، ودعوتهم كما هو معلوم ، دعوة عقلية تحمل معاني الفلسفة وألفاظها ، فهي وإن استجاب لها بعض الشعراء أو الخلفاء ، بعيدة عن عقول العوام ولا يعني أنها كانت ذات انتشار واسع ، ثم يجب ألاّ يغيب عن البال أن الأئمة من أهل السنة كانوا أكثر عدداً وأقوى حجة وأظهر مقالاً ، فكانوا دائماً يحمون العامة من السقوط في هذه المزالق ، كما فعل الإمام مالك بمن سأله عن آية {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }طه5إذْ أمر بطرحه خارج المسجد على مسمع ومرأى من العامة ، والمعنى : أمر بإخراجه .
"المعتزلة بين القديم والحديث" لمحمد العبدة وطارق عبد الحليم ص (114-117)
المرحلة الثانية : المعتزلة في العصر العباسي :
يعتبر العصر العباسي الأول عصر ازدهار المعتزلة وعنفوانها ، إذ عاش فيه معظم شيوخ مدرسة البصرة وبغداد ، وقد عاصر عمرو بن عبيد أبا جعفر المنصور العباسي ، وكان على صلة به ، حتى إنه لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية على أبي جعفر المنصور ، بعث برسالة إلى عمرو بن عبيد ليستعين به على قتال المنصور ، فأبى واستوثق المنصور بنفسه من عدم مساندة عمرو للنفس الزكية في حركته .
أما في عهد الرشيد : فقد لقي المعتزلة متاعب جمة ، نظراً لكراهية الرشيد لمبادئهم ، فقد نهى عن الكلام ، وأمر بحبس المتكلمين وحبس العتابي الشاعر ، وثمامة بن أشرس المعتزلي ، ثم اتخذه بعد ذلك نديماً له ، وإن لم يتأثر بمذهبه ، كما توعّد بشراً المريسي فظل مختفياً طوال خلافة الرشيد ، كذلك فقد كان يقتل من يقول بخلق القرآن جهاراً .
ثم لما انتهى الأمر إلى المأمون العباسي زيّن له بشر المريسي الاعتزال فاعتنقه ، كما قرّب منه ثمامة بن أشرس ، حتى أصبح لا يبرم أمراً دونه ، بل إنه أصبح يرشح له وزراءه ، فرشّح له أحمد بن أبي دؤاد ، ثم يحي بن أكثم ، وعن طريقه تعرّف المأمون بأحمد بن خالد الوزير الأحول – أحد رؤوس بدعة الاعتزال في عصره ، وقد صار أحمد هذا رأساً في فتنة خلق القرآن ، وقاضياً للقضاة في عهد المعتصم .
وكان المأمون في أول أمره بين اتجاهين : أولهما إظهار الاعتزال علناً ، وكان يشجعه على ذلك ثمامة وابن أبي دؤاد ، حتى إنه كاد أن يأمر بلعن معاوية على المنابر ، إلا أن يحيى بن أكثم قاضيه، ويزيد بن هارون وزيره، كانا يمنعانه من هذا حتى مات يزيد بن هارون ، وعزل يحيى بن أكثم عن منصبه ، فخلا الجو لثمامة وابن أبي دؤاد ، فأظهر المأمون بدعة الاعتزال ، وحمل الناس عليها ، فكانت المحنة التي أطلق عليها محنة خلق القرآن .
ويظهر أن المأمون كان سريع التقلب والتغير في آرائه ، فهو قد نادى – قبل ذلك ، بتفضيل علي على أبي بكر وعمر ، بل بايع من بعده لإمام أهل البيت في عصره ، وهو علي الرضا بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ، وخلع السواد شعار العباسيين ، ولبس الخضرة لباس العلويين ، وذلك عام 201هـ .
ثم لما مات علي الرضا رجع عن البيعة لآل البيت ، وقد قال ابن كثير عن المأمون : ( كان فيه تشيّع واعتزال وجهل بالسنة الصحيحة ) وقد سار على نهج الاعتزال بعد المأمون : المعتصم ثم الواثق من بعده ، وقد بدأت فتنة خلق القرآن في عهد المأمون عام 218هـ .
فتنة خلق القرآن :
قرّر الخليفة المأمون في تلك السنة : الإعلان عن عقيدته في خلق القرآن ، وحمل الناس على القول بذلك ، وبدأ في امتحان الفقهاء والقضاة والعلماء بشأنها ، وأن يجعلهم يصرِّحون باعتقادها ، فأمر نائبه على بغداد – إسحاق بن إبراهيم – أن يمتحن من عنده ، فمن أقرّ تركه في منصبه ، ومن خالف عزله وقطع عنه راتبه من بيت المال ، وقد امتنع إمام أهل السنة : أحمد بن حنبل من الخضوع لهذا التهديد ، وآثر حمل أمانة الحق والاستعلاء بها ، ففي مثل هذه المواقف تكون العزيمة هي الأولى ، ويكون الاستعلاء بالحق هو شيمة الرجال الذين يتخذهم الله سبحانه شهداء على الناس ، وحجة قائمة على البشر ، ونوراً وهداية للمسلمين ، بعث المأمون إلى بغداد لإحضار من امتنع من العلماء من الإقرار ببدعته ، وكانوا ثلاثة غير الإمام أحمد ، هم : محمد بن نوح ، والحسن بن حماد ، وعبيد الله بن عمرو القواريري .
وقد استجاب للتهديد بعد ذلك الحسن بن حماد وعبيد الله بن عمرو ، ولم يصمد إلا الإمام أحمد ومحمد بن نوح ، فحملا معاً إلى بغداد ، وفي الطريق بلغهم موت المأمون ، وتولى المعتصم من بعده ، فنادوا إلى بغداد ، وفي الطريق مات محمد بن نوح ، وصلى عليه الإمام أحمد ، ثم أودع السجن عند بلوغه بغداد ، وبقي فيه لمدة عامين ونصف .
وما زال أحمد بن أبي دؤاد يؤلب المعتصم على الإمام أحمد ، حتى أمر بإحضاره إليه ، وناظره أحمد بن أبي دؤاد ، فأفحمه الإمام ، ولكن الهوى والبدعة تغلبا بالباطل ، فالتجئوا إلى إغراء الخليفة بأن مركزه سيتزعزع أمام العامة إن عرف أن الإمام هزم خليفتين ، وعندها أمر المعتصم بضربه ثمانين سوطاً حتى تمزق لحمه ، ثم أعيد إلى منزله ، حيث أقام فيه لا يفارقه طيلة خلافة المعتصم ، ثم ابنه الواثق حتى انتقلت الخلافة إلى المتوكل ابن المعتصم .
وممن ابتلي واستُشهد في سبيل الحق في عهد الواثق : أحمد بن نصر المروزي ، وكان على السنة في القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق ، ولما وقعت الفتنة اختفى مدة ، وكوّن جماعة في السرّ ليغير المنكر بيده ، ويدبّر الثورة على الواثق بسبب بدعته وضلاله ، فانكشف أمره قبل التنفيذ بيسير ، وأخذوه إلى الواثق ، حيث قتله بيده عام 231هـ . قال ابن معين : ختم الله له بالشهادة .
المرحلة الثالثة : المعتزلة بعد المتوكل :
لما تولى المتوكل الخلافة عام 232هـ أظهر الانتصار للسنة ، فأمر " بالمنع من الكلام في مسألة الكلام ، والكف عن القول بخلق القرآن ، وأنّ من تعلّم علم الكلام ، لو تكلم فيه فالمطبق مأواه إلى أن يموت ، وأمر الناس ألا يشتغل أحد إلا بالكتاب والسنة لا غير" ، ( وارتفعت السنة جداً في أيام المتوكل عفا الله عنه ، وكان لا يولي أحداً إلا بعد مشورة الإمام أحمد ، كما أمر" أهل الذمة أن يتميزوا عن المسلمين في لباسهم وعمائمهم وثيابهم ) وأن يلزموا بالزنانير الخاصرة لثيابهم كزنانير الفلاحين ، وألا يركبوا خيلاً ، وأمر بتخريب كنائسهم المحدثة ، وبتضييق منازلهم المتسعة ، كما أمر بهدم قبر الحسين بن علي بن أبي طالب ، وما حوله من الدور ، ومنع الناس من زيارة الموضع ، وجعله مزرعة تُحرث وتُستغل .
كما أمر بإكرام الإمام أحمد إكراماً عظيماً ، وقتل محمد بن عبد الملك بن الزيات ، الذي سعى في قتل أحمد بن نصر ، ومحنة الإمام أحمد ، وأمر بإنزال جثة أحمد بن نصر الخزاعي ، حيث كان مصلوباً - كما مرّ معنا - قتله الواثق – معلَّقا منذ قتله الواثق ، وله على هذه الحال ست سنين ، وأمر بالجمع بين رأسه وجسده ، وأن يُسلم إلى أوليائه ، ففرح الناس بذلك فرحاً شديداً ، واجتمع في جنازته خلق كثير جداً ، وكان يوماً مشهوداً .
وهكذا انتهت تلك السنوات التي استطال فيها المعتزلة وسيطروا على السلطة ، وحاولوا فرض عقائدهم بالقوة والإرهاب ، خلال أربعة عشر عاماً كاملة .
المرحلة الرابعة : المعتزلة في عصر البويهيين :
قامت دولة بني بويه في عام 334هـ في بلاد فارس ، وكان مؤسسها علي بن بويه وأخواه من الديلم ، سكان جنوب غرب بحر قزوين ، وقد انتشر الإسلام بينهم على يد داعية شيعي وهو الحسن بن علي الأطروش ، فنشأ وأنشأه الرافضة وتبنّوا فكرهم في إبان دولتهم ، فكانت دولة رافضية ، وإن أبقت على علاقتها الظاهرة بخلفاء العباسيين السنيين لأغراض سياسية .
وقد ظهرت العلاقة قوية بين الرافضة والمعتزلة في ظل هذه الدولة ، وقد روى الشهرستاني أن زيد بن علي بن الحسين – ومعلوم أن أتباع زيد هم الزيدية ، ليست من الروافض ، وهي شيعية – ( تتلمذ لواصل بن عطاء – رأس المعتزلة – وصار أصحابه كلهم معتزلة ) ومن أظهر ما كان من علاقة الرافضة بالبويهيين والمعتزلة هو تعيين القاضي عبد الجبار الهمذاني رأس المعتزلة في عصره ، قاضياً لقضاة الري عام 360هـ ، والذي ولاه هو الصاحب بن عباد وزير مؤيد الدولة البويهي ، وكان من الروافض المعتزلة . قال المقريزي : ( إن مذهب الاعتزال فشا تحت ظل الدولة البويهية في العراق وخراسان وما وراء النهر ) .
وبهذا فقد ارتفع شأن الاعتزال مرة أخرى على أيدي الروافض وفي ظل الدولة الرافضية البويهية
المرحلة الخامسة : انحلال الاعتزال وذوبانها في الفرق الأخرى :
بعد ذلك كادت المعتزلة أن تنتهي ، ومنذ بدأ التزاوج بين الرفض والاعتزال ، بدأت معالم ذوبان الاعتزال في التشيع ، وتبنت الشيعة الاعتزال ، فتأثروا بمناهج الفكر الاعتزالي بشكل قوي ، فنقلوه وهضموه ، وخاصة في مسائل الصفات والقدر ، والمعتزلة تبنت فكر الشيعة المنحرف ، وما ذاك إلا لضمان القوة والاستمرار ، ومنذ ذلك الحين ذاب الاعتزال في التشيع ، وانتهت المعتزلة كفرقة مستقلة .
أما في العصر الحديث : فقد نهضت طائفة من الكتاب بمحاولة إحياء ذلك الفكر ، ودسّ سمومه في قلب مذهب السنة ، كما فعلت مدرسة محمد عبده ، وكما انتشر بين كثير من الباحثين والمفكرين في هذا الزمن .
"المعتزلة بين القديم والحديث" ص (117-124) ، "الموسوعة الميسرة" (1/70-71)
"البدعة" للغامدي (1/184-185) ، "الموسوعة الميسرة" (2/1069) "الموجز في الأديان والمذاهب" للقفاري والعقل ص (126) ، "من عقائد الشيعة" للسلفي ص (9-11)
أسباب انتشار مذهب المعتزلة :
من خلال النظر والاستقراء لتاريخ المعتزلة ، يظهر ما يلي :
1- تأثيرهم على خلفاء بني العباس :
حتى إنهم استطاعوا إقناعهم بأقوالهم ، وأخذ مهام الدولة والعمل فيها ، والتأثير من خلالها في نشر بدعتهم ، وحمل الناس عليها ، وفتنتهم بها ، وقد كان عمرو بن عبيد وهو المؤسس الثاني لمذهب المعتزلة بعد واصل بن عطاء ، كان من جلساء الخليفة أبي جعفر المنصور ، وأما أحمد بن أبي دؤاد فكان قاضي القضاة لثلاثةٍ من الخلفاء – المعتصم والواثق والمتوكل – ، وفي زمن المتوكل طرد من القضاء ؛ وأما بشر المريسيّ فكان أستاذاً للمأمون ، وأحد كبار المؤثرين فيه ، حتى إنه كانت تعقد للمعتزلة مجالس المناظرة مع أهل السنة تحت نظر الخليفة وسمعه ، في مجالس الخلافة .
2- قدرتهم الكلامية وفصاحتهم اللسانية :
فقد أوتوا قوة في الجدال ، وفصاحة في الألسن ، فكان منهم أهل البيان والفصاحة ، يُلقون أفكارهم ممزوجة بِحِكَم العرب وأمثالهم وأشعارهم ، فكان ذلك من أسباب انتشار مذهبهم ، إذْ خَدعوا الناس بالبيان ، كما قال عليه الصلاة والسلام : « إن من البيان لسحراً » بخ .
وسبب ذلك أن المعتزلة جمعوا بين علم الكلام والجدل ، وهذه بطبيعتها تقود إلى المناظرات والمخاصمات وكثرة الكلام ، وعلوم الأدب واللغة ، وهي ثوب قشيب يخدع الناس ويستهويهم .
وممن اشتهر بفصاحته وتأثيرِه من المعتزلة : ابن أبي دؤاد ، وواصل بن عطاء ، وأبو الهذيل العلاف وأبو علي الجبائي ، وغيرهم ؛ ولا تخلوا طبقة من طبقات المعتزلة من وجود مفوّه فصيح
"حقيقة البدعة" للغامدي (1/158-159) .
مسالك المعتزلة في الاستدلال على عقائدهم :
من خلال التتبع لعقائد المعتزلة ، يظهر ما يلي :
1- العقل ، فكل ما قبله العقل أقروه ، وكل ما لم يقبله رفضوه ، ولذلك جعلوه هو الأصل ، وجعلوا الشرع شاهداً له ، قال العضد الإيجي : « لو وجد المعارض العقلي لقُدِّم على الدليل النقلي قطعاً » ، وكل ما خالف معقولاتهم من النصوص أولوه حتى يوافقها ، وسبب ذلك ثقتهم المطلقة بالعقل ، مما قادهم إلى رعونات في العقائد والأعمال .
2- الفلسفة ، لما ترجمت كتب الفلسفة وانتشرت ، أخذ منها المعتزلة وتأثروا بها ، فكانت أدلتهم واستدلالاتهم وأقوالهم معتمدة على الآراء الفلسفية ، والمقدمات المنطقية ، والأقيسة الكلامية ، التي تعود في مجملها إلى الفلسفة اليونانية .
وتُرجم كتاب (الطبيعة) و (ما بعد الطبيعة) لأرسطو ، ترجمه إسحاق الكندي ، وجعلوا ما جاء به الأنبياء من باب الظن الذي لا يفيد يقيناً ، وقد كان بأمر المأمون ، فكان منها شر عظيم ، ووقعت الفتن .
"حقيقة البدعة" للغامدي (1/155-157) ، "المعتزلة" للعبدة وطارق عبد الحليم ص (26، 36) .
عقائد المعتزلة :
تكاد فرق المعتزلة وكبراؤهم يجمعون على أنَّ للاعتزال أصولاً خمسة ، تدور حولها عقائدهم وقضاياهم ، وقد تسلسلت من خلال كل أصل منها عدة مسائل نتجت عنه ، فكان لا بد لهم ، وقد اتخذوا من عقولهم هادياً ، أن يسيروا وراء تلك المسائل ، ويلتزموا بالنتائج التي تؤدي إليها عقولهم .
الأصل الأول : التوحيد ، وهو أهمها
ويقصدون به أن الأجسام لا بد لها من صفات ، والصفات أعراض للأجسام ، وهي زائلة ، ولو أثبتنا لله الصفات لاستلزم نسبة الجسم إليه ، والله ليس جسماً ، وعليه فليس له صفات تزول ، فالأمثل أن نصفه بصفات سلبية محضة فهو سبحانه ليس بجسم ولا صورة ولا لحم ولا جوهر ولا بحس ولا طول ولا عمق ولا يتحرك ولا يتبعّض .
وأما صفاته فهو عالم بلا علم ، سميع بلا سمع ، وهكذا ، وليس له قدرة ولا حياة ولا إرادة ، ولا فوق العالم ؛ وأولوا سائر الصفات كاليد والعينين واستواء الله على عرشه ، وقالوا : الاستواء لا يكون إلا في جسم مماس لجسم آخر ، وهذا لا يكون في حق الله تعالى ، فالاستواء هو الاستيلاء ؛ وهكذا نفوا علو الله على خلقه ، لأنه يستلزم أن يكون متميزا في جهة ، والله سبحانه لا يتحيز ولا تحدُّه الحدود ، وإن قلنا إنه في جهة ، فهو إذاً موجود داخل شيء مخلوق وهو الجهة ، وتوحيدهم هذا ، زعموا ، عند أهل السنة هو التعطيل .ً
ونتيجة لما سبق من تصوراتهم عن نفي الجسمية والصفات والجهة والتميز ، ذهبت المعتزلة إلى أن الله سبحانه لا يمكن أن يراه المؤمنون في الآخرة ، وأولوا الآيات الدالة على ذلك في القرآن ، كما في قوله تعالى :  {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ,إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }القيامة23 قالوا : معنى ذلك : أنها منتظرة ما يفعل بها ربها ، ويشهد لذلك قوله تعالى : {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}الأنعام103 وقوله :{قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي }الأعراف143 وغيرها ؛ وأما الأحاديث فأنكروها بحجة أنها أحاديث آحاد .
وكذلك قالوا : القرآن مخلوق ليس كلام الله هو مخلوق لله تعالى ، إذ لو كان القرآن كلام الله غير مخلوق لكان قديماً مع الله ؛ وهذا قول بإلهين ، لذلك فالله سبحانه ما كلم موسى تكليماً ، بل هو خلق الكلام في بعض الموجودات ، خلقها في شجرة كانت حول موسى ، فكلمته ، وسمع موسى الكلام .
الأصل الثاني : العدل
قالوا : إن صفة العدل تستلزم ألا يحاسب أحداً إلا على ما جنت يداه ، وما أُكرِه عليه فلا مجال لحسابه ، والله لا يظلم أحدا ، ولا يُجبر مخلوقاً على فعل معصية أو طاعة ، فالعباد مختارون لأفعالهم بكامل مشيئتهم وإرادتهم ؛ زعموا .
وأهل السنة يقولون : هذا هو نفي القدر ، والذي أسموه – زعموا – العدل .
وجرهم ذلك إلى أن يقولوا : العباد خالقون لأفعالهم ، ومسؤولون عنها ، والله سبحانه يفعل الخير ويريده ، ولا يفعل الشر ولا يريده ، بل ولا يقدر عليه ، وبناء على ذلك يجب على الله أن يفعل الأصلح لعباده ، فهو مقتضى عدله ؛ ولو خلق الشر ثم عذّب العباد لفعلهم إياه لكان ذلك جوراً وظلماً ، وقد نفيناه عنه ، وقلنا إنه عدل .
الأصل الثالث : المنزلة بين المنزلتين :
ًقالوا : إن المسلم العاصي بارتكاب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين ، بين الإيمان والكفر ، فلا يسمى مؤمناً ولا كافراً ، وهذا في الدنيا ، لأن الإيمان حقيقة مركبة من أجزائها التي هي أفعال الإيمان ، فإن زال منها جزء زالت عن حقيقتها بالتمام ، كالعشرة إن زال منها واحد صارت تسعة ولم تعد عشرة .
فإن مات ولم يتب من كبيرته ، فهو من أهل النار خالداً فيها ، لقوله تعالى : {وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا}النساء14 فإن تاب قبل الموت فالله يغفر له ذنبه ، إما تفضلاً منه ورحمة كما هو عند معتزلة بغداد ، أو إيجاباً عليه كما عند معتزلة البصرة .
وهذه المسألة هي رأس المسائل التي احتفى بها المعتزلة دون غيرهم من المبتدعة ، وعلى أساسها أطلق عليهم اسم المعتزلة .
الأصل الرابع : الوعد والوعيد
وهو متلازم مع ما سبق ، وترتب عليه أن الله سبحانه منجز وعده ووعيده ، فإن وعد في القرآن خيراً فهو لا بد وأن يجازي به العبد كالثواب للمطيع ، وإن توعّد شراً فهو لا بد منفذه كالعقاب على مرتكب المعاصي ولا يجوز على الله ألا يعذبهم ويخلف وعيده لأن اخلاف الوعد قبيح كإخلاف الوعد ، سواء بسواء ومثله مرتكب الكبيرة ، يموت من غير توبة ، لا يجوز عفوه سبحانه عنه .
الأصل الخامس : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قالوا : يجب الخروج على السلطان الجائر بالسيف حال القدرة عليه ، وهكذا السلطان الذي لا يدين بعقائد الاعتزال ، يجب عليه الخروج حتى يدين بعقائدهم .
"المعتزلة" للعبده وطارق عبد الحليم ص (44-80)
"حقيقة البدعة" للغامدي (1/155-156) ، "الموسوعة الميسرة" (1/73) .
مذاهب ومواقف
هناك مذاهب وآراء للمعتزلة ، ولها علاقة مباشرة بأسس عقائدهم وأصول استنباطهم لها ، وهي مذهبهم في الحديث :
مذهبهم في الحديث :
لما اهتم أئمة المسلمين بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ، واعتبروه المصدر الثاني ، أطلّت المبتدعة برؤوسها ، واتخذوا وضع الأحاديث طريقاً للتدليل على مذاهبهم الفاسدة ، وحاولوا اختراق هذا الجدار المنيع الذي يحمي أسس العقيدة .
فذهبت المعتزلة إلى أن خبر الآحاد لا يفيد اليقين ، بينما العقل يفيد اليقين ، فهو مناط التكليف ، ويجب تقديمه على خبر الآحاد مطلقاً ، سواءً في العقائد أو الشرائع العملية ؛ وكان من جراء ذلك أن ردّوا عذاب القبر والصراط والميزان والشفاعة والحوض ورؤية الله في الآخرة ، وردوا أحكاماً كثيرة ، ولو كانت متواترة بدعوى مناقضتها للعقل أو تعارضها مع الكتاب أو تعارضها مع أحاديث أخرى – زعموا – كحديث : « إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس ... » وحديث : « لا وصية لوارث » وحديث : « نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها » فأما الأول فهو يعارض العقل ، وأما الثاني فيعارض الكتاب ، قال تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ}البقرة180 والوالدان وارثان على كل حال .

وأما الثالث : فيعارض الكتاب {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}النساء23 ولم يذكر العمة ولا الخالة .
وأنكرت المعتزلة شرط القرشية في الإمامة ، وزعموا أن حديث : « الأئمة من قريش » آحاد لا يعوّل عليه ، وغالى بعضهم ، فقال : إن تساوى القرشي والأعجمي فالأعجمي أولى بالولاية منه !
وأنكرت حديث الذباب ، وحديث الذي أخذ أخاه بطنه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بسقيه العسل ، بحجة أنها آحاد أو معارضة للعقل .
"المعتزلة" للعبدة وطارق عبد الحليم ص (81-90 ، 26 ، 77)
مذهبهم في التأويل :
إن المعتزلة استحدثت طرق لرد تلك الآيات والأحاديث الصحيحة التي تخالف ما وصلوا إليه :
أما الأحاديث : فردوها بحجة أنها آحاد ، وهي ظنية .
وأما الآيات القرآنية : فلما كانت قطعية الثبوت ، والمخالف لها كافر لا محالة ، لجئوا إلى طريق أخبث ، وهو التأويل الذي فتحوا بابه ، واتبعهم فيه من بعد ذلك طوائف من المتكلمين ، فحرفوا الكلم عن مواضعه ، وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله لوجود دليل يقترن به يمنع من إجراء ظاهر اللفظ .
واستخدموه في صرف آيات الصفات ، زاعمين أن قرينة التنزيه هي التي توجب عدم أخذ تلك الآيات على ظاهرها ، وإلا وقعوا في التشبيه .
ومن تأويلاتهم : أن الاستواء هو الاستيلاء ، ومعنى اليد يعني النعمة ، والعين بمعنى العلم ، والجنب يعني : الأمر في قوله تعالى :  {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ }الزمر56 ، وكذلك فعلوا في صفات المحبة والرضى والغضب والسخط ، فأولوها جميعاً ، قالوا : محبة الله ورضاه هي إرادته للثواب ، وسخطه وغضبه هو إرادته للعقاب .
"المعتزلة" للعبدة وطارق عبد الحليم ص (91-93) .


موقفهم من الصحابة وكبار التابعين :
المعتزلة لها موقفها المخزي من الصحابة والتابعين ، وقد طعن كبرائهم في أكابر الصحابة ، وشنعوا عليهم ، ورموهم بالكذب ، ونسبوا إليهم التناقض .
أما بالنسبة للخلفاء الراشدين : فقد ذهب معتزلة البصرة - كبشر بن المعتمر وأبي جعفر الإسكافي وأبي الحسين الخياط – إلى تفضيل عليّ على أبي بكر ، وتوقّف واصل بن عطاء وأبي الهذيل العلاّف في تفضيل أحدهما على الآخر ، وإن جزما بأفضلية عليّ على عثمان .
وأما باقي الصحابة فقد رمى النظام أبا بكر الصديق بالتناقض ، وطعن في علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ، وشددّ الحملة هو وغيره من المعتزلة والروافض على أبي هريرة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان .
أما عمرو بن عبيد ، فقد روى الشاطبي : ( وقال عمر بن النضر : سُئل عمرو بن عبيد يوماً عن شيء ، وأنا عنده ، فأجاب فيه ، فقلت له : ليس هكذا يقول أصحابنا ، قال : ومن أصحابك لا أبا لك ؟ قلت : أيوب ويونس وابن عون والتيمي ، قال : أولئك أنجاس الناس أموات غير أحياء ، وقال ابن علية : حدثني اليسع ، قال : تكلم واصل بن عطاء يوماً ، قال : فقال عمرو بن عبيد : ألا تسمعون ؟ ما كلام الحسن وابن سيرين عندما تسمعون إلا خرقة حيضة ملقاة )
وقد زعم كل من واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ، أن إحدى الطائفتين يوم الجمل فاسقة ، إما طائفة علي وعمار والحسن والحسين وأبي أيوب ، أو طائفة عائشة وطلحة والزبير ، وردّوا شهادة هؤلاء الصحابة ،فقالوا : لا تُقبل شهادتهم .
والعجيب أن الرافضة المتظاهرين بموالاة عليّ رضي الله عنه يأخذون أصولهم عن المعتزلة ، رغم قولهم ذاك في علي ! فسبحان من جمع المتناقضين في الكفة الخاسرة معاً .
"المعتزلة" للعبده وطارق عبد الحليم ص (78 ، 97-100) .
من معتقدات وآراء المعتزلة :
قال أبو الهذيل العلاف : ( القول بفناء مقدورات الله حتى لا يكون بعد فناء مقدوراته قادراً على شيء ! أي أنه يخلق ما يشاء حتى لا يقدر أن يخلق شيئاً بعد ذلك ) قوله : ( بأن عذاب الله أهل النار ونعيم أهل الجنة سينتهيان إلى نهاية ، حيث يبقى كل من أهل الجنة وأهل النار ساكناً في مكان لا يتحرك ) وقوله : ( أن التواتر الذي يعتبر حجة هو ما يجمع عليه عشرون شخصاً أحدهم من أهل الجنة ) .
وقال النظام : ( إعجاز القرآن إنما يقع من ناحية إخباره بالغيبيات فقط ، أما عن نظمه فقال بالصرفة ) أي أنه مقدور على مثله ، ولكن الله صرف البشر عن ذلك ، وقال : ( النار من طبيعتها أنها تعلوا على كل شيء ، إن كانت نقية من الشوائب حتى تتجاوز السماوات والعرش ) ! وكم في هذا القول من روائح المجوسية !
وقال هشام بن عمرو الفوطي : ( لا يجوز إطلاق اسم الوكيل على الله ، ومنع من أن يقال : ( إن الله تعالى ألّف بين قلوب المؤمنين ) وكفّر من قال : إن الجنة والنار مخلوقتان .
وأما أبو موسى المردار فقد كفّر الأمة بأسرها بما فيها المعتزلة ، وكفّر من قال : إن الله يُرى بالأبصار في الآخرة ، وكفّر من قال : إن أعمال العباد مخلوقة لله ، وكفّر من دَخل على الحكام وتعامل معهم .
وقد سأله إبراهيم بن السندي مرة عن أهل الأرض جميعاً ، فأكفرهم ، فقال إبراهيم : هل الجنة التي عرضها كعرض السماوات والأرض لا يدخلها إلا أنت وثلاثة وافقوك !
وأما ثمامة بن أشرس فقال : ( إن عوام المشركين يكونون تراباً في الآخرة كالحيوانات ) .
وأما الجاحظ ، فقال : ( إن الكفار من اليهود والنصارى إن حاولوا معرفة الحق ولم يستطيعوا ، فهم معذورون غير آثمين ) ، وهذا محض فرض نظري بالطبع ، وقال : ( إن الله تعالى لا يُدخل أحداً النار ، بل هي تجذب أهلها بطبعها ، كما أن أهلها يصيرون في النهاية ، إلى طبيعة النار نفسها )
ولأفراد المعتزلة وشيوخها أقوال وآراء تبحث في دقائق الأمور ، تفوح منها رائحة الفلسفة اليونانية ، كالحديث عن الأجسام والأعراض والتولد – يعني أن كل المتولدات من فعل الإنسان ويصح أن يفعلها كالألوان والطعوم والرؤية والروائح ، وقال آخرون : هي من أفعال الله ، حتى أن الخياط قال بقول وتفرد به عن جميع المعتزلة ، وهو أن المعدوم جسم ، والشيء المعدوم قبل وجوده جسم ، وهو تصريح بقدم العالم .
وزعم أحمد بن خابط والفضل الحدثي وهما من أصحاب النظام : أن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة ، وأن المسيح تدرّع بالجسد الجسماني ، وهو الكلمة القديمة تجسدة ، وقالا بالتناسخ ، وهذه لا شك أفكار نصرانية وهندية ممزوجة بالفكر الفلسفي .
وأعرضنا عن كثير من آرائهم وهرطقتهم ، فهي مُعقّدة متعجرفة ، بلا خطام ولا زمام ، ولا بداية ولا نهاية .
"المعتزلة" للعبدة وطارق عبد الحليم ص (106-113)
"الموسوعة الميسرة" (1/76) .
اختلاف المعتزلة وطوائفها :
جمعت المعتزلة بين بدع سلفت وبدع حدثت ، وقالوا بنفي إرادة الله وقضائه وخلقه للبشر ، ولذلك سموا بالقدرية ، وقالوا بالخروج على الحاكم الجائر ، ولذلك سموا بالخوارج ، وقالوا بنفي الصفات عن الله عز وجل ، ولذلك سموا بالجهمية ، وكانت المعتزلة أكثر الفرق ترسيخاً لبدعة الجهمية ، وعلى أيديهم انتشرت مقالات الجهم ، ولذلك فإنه كما يقال المعتزلة القدرية ، فإنه يقال المعتزلة الجهمية .
وهم حينما يتحاكمون إلى العقل ، ليس هو العقل البديهي العام المشترك بين البشر ، والحق أنهم إنما كانوا يتحاكمون إلى عقل الواحد منهم ، فلذلك اختلفت مناهجهم اختلافاً كبيراً في كافة جزئيات مذهبهم ، وتناطحوا وكفّر بعضهم بعضاً ؛ قال ابن قتيبة – في حديثه عن المعتزلة – ( ولو كان اختلافهم في الفروع والسنن لاتسع لهم العذر عندنا ، وإن كان لا عذر لهم مع ما يدّعونه لأنفسهم ، ولكن اختلافهم في التوحيد وفي صفات الله وقدرته ، وفي نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار ، وغير ذلك من الأمور التي لا يعلمها نبي إلا بوحي من الله تعالى ) ونتيجة لاختلاف التلاميذ مع الشيوخ ظهر تكفير بعضهم لبعض ، فهذا النظّام قال بتكفيره أكثر شيوخ المعتزلة ، ومنهم شيخه أبو الهذيل العلاف ، وهذا جعفر بن حرب ألف كتاباً في توبيخ العلاّف وكفّره ، وهذا أبو موسى المردار كفّر شيوخه ، وقال شيوخه بتكفيره ، قال البغدادي معلّقاً ( وكلا الفريقين مُحقّ بتكفير صاحبه ) ونشأ عن ذلك – التكفير – ظهور طوائف من المعتزلة تنتسب إلى صاحبها ، فهناك فرقة الواصلية أصحاب واصل بن عطاء ، وفرقة الهذيلية أصحاب أبي الهذيل العلاّف ، وفرقة النظاميّة أصحاب إبراهيم النظام ، وفرقة البشْرية أصحاب بشر بن المعتمر ، وفرقة الحايطية أصحاب حائط ، وفرقة المعمرية أصحاب معمر بن عباد السلمي ، وفرقة المزدارية أصحاب عيسى بن صبيح وأبو موسى المردار ، وفرقة الثمامية أصحاب ثمامة بن أشرس ، وفرقة البهشمية أصحاب أبي هاشم بن عبد السلام ، وفرقة الجاحظية أصحاب عمرو بن بحر الجاحظ ، وفرقة الخياطية أصحاب أبي الحسين بن عمرو الخياط ، وفرقة الخابطية أصحاب أحمد بن خابط ، وفرقة الجبائية أصحاب أبي علي محمد الجبائي ، وغيرهم كثير .
"حقيقة البدعة" للغامدي (1/159-160) ، "الموسوعة الميسرة" (1/71-72 ، 74)
"المعتزلة" للعبدة وطارق عبد الحليم ص (27-29 ، 113) ، "الأعلام" للزركلي (4 / 7)
"معجم ألفاظ العقيدة" لعامر فالح ص ( 377-378 ، 437 ، 429 ، 412 ، 69-70 ، 135-136 ، 372 ، 113-431 ، 117 ، 161 ، 120 ، 170)
من أعلام المعتزلة :
1- واصل بن عطاء ، أبو حذيفة المخزومي ، كان بليغاً يهجر الراء في خطبته ، لأنه يلثغ فيها ، وكان هو رأس مذهب المعتزلة ومؤسسه ، كان من أجلاد المعتزلة ؛ قال أبو الفتح الأزدي : رجل سوء كافر ، وكان هلاكه سنة 131هـ ، وله واحد وخمسون .
"ميزان الاعتدال" للذهبي (6/3) ، "حقيقة البدعة" للغامدي (1/117)
2- عمرو بن عبيد بن باب البصري ،أبو عثمان، أصله من كابل ، ويُعتبر كبير المعتزلة ورأسهم بعد واصل بن عطاء ، كان داعية إلى مذهبه ، وكان يكذب ، ويروي عن الحسن البصري أشياء لم يقلها ، وعده جماعة المؤسس لفرقة المعتزلة المشارك لواصل ، وعلى آرائهما وبدعهما قامت المعتزلة ، وهو متروك صاحب بدعة ، غرّ الناس بزهده وتقشفه ، وكان من الكاذبين الآثمين ، مات بطريق مكة 144هـ
"ميزان الاعتدال" للذهبي (4/193-199) ، "حقيقة البدعة" للغامدي (1/118-120)
3- أحمد بن أبي دؤاد البصري أبو عبد الله ، مُسعّر حرب المعتزلة ، ورأسهم ، وحامل لواء بدعتهم ، جهمي بغيض ، عدو إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ، وكان داعية إلى خلق القرآن ، دعا المأمون إلى امتحان العلماء في خلق القرآن ، فأحدث فتنة عارمة ، كسره أهل السنة في المناظرات ، فاحتمى بسيف السلطان وسوطه ، حرّض على نعيم بن حماد حتى حُبس ومات مقيداً في محبسه ، وحرّض المعتصم على ضرب الإمام أحمد ، وحرّض الواثق على قتل الإمام أحمد بن نصر ؛ ومخازيه كثيرة ، عليه من الله ما يستحق ، وكان الإمام أحمد بن حنبل يدعو عليه فيقول : ( حشا الله قبره ناراً ) وأصحاب التاريخ يذكرون له أدباً وفضلاً وجوداً ، ونقول : إن فضائلهم مشروطة بألاّ تنكأ لهم بدعة ، فإن فُعلت فلا دين ولا خلق ولا خير ، وقديماً قيل : ( فضائل أهل البدع حبائل الشيطان ) .
ابتلاه الله بالفالج قبل موته بأربع سنين ، حتى بقي طريحاً على فراشه ، لا يستطيع أن يحرك شيئاً من جسده ، وحُرم لذة الطعام والشراب والنكاح وغير ذلك ، وقد دخل عليه بعضهم فقال : ( والله ما جئتك عائداً ، وإنما جئتك لأعزيك في نفسك ، وأحمد الله الذي سجنك في جسدك الذي هو أشد عليك عقوبة من كل سجن ، ثم دعا بأن يزيده الله ولا ينقصه مما هو فيه ، فازداد مرضاً إلى مرضه حتى هلك سنة 240هـ وله ثمانون سنة .
"البداية والنهاية" لابن كثير (10/336) ، "حقيقة البدعة" للغامدي (1/158)
"مجلة البيان" عدد (138) ص (14)
4- محمد بن الهذيل بن عبد الله ، أبو الهذيل العلاّف العبدي ، المتكلم ، شيخ أهل البصرة في الاعتزال ، وهو من أكبر علمائهم ، أخذ الاعتزال عن عثمان الطويل ، وهو أول من ابتدع العديد من أقوال الاعتزال كفناء النار والجنة وانتهاء حركاتها ، طالع كثيراً من كتب الفلاسفة ، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة ، وقال مقالات منحرفة كثيراً ، خالف فيها كثيرًا من أصحابه ، كان قوي المناظرة والحجة ، كثير الاستعمال للأدلة والإلزامات ، وكان يستشهد بثلاثمائة بيت من الشعر في مناظراته ، توفي بعد سنة 226هـ وله واحد وتسعون سنة ، بعد أن كُفَّ بصره وخرّف .
"حقيقة البدعة" للغامدي (1/159) ، "الموسوعة الميسرة" (1/71)
"المعتزلة" للعبده وطارق عبد الحليم ص (28) ، "معجم ألفاظ العقيدة" ص (429)
5- محمد بن عبد الوهاب ، أبو علي الجبائي ، كان إماماً في الكلام ، وهو شيخ أبي الحسن الأشعري ، وزوج أمه ، فارقه أبو الحسن وترك الاعتزال بعد مناظرة جرت بينهما ، توفي سنة 303هـ .
"حقيقة البدعة" للغامدي (1/159) .
6- علي بن إسماعيل أبو الحسن الأشعري ، يصل نسبه إلى أبي موسى الأشعري ، تعلّم الكلام من زوج أمه أبي علي الجبائي ، واعتنق بسببه مذهب الاعتزال ، كان يُورد الأسئلة على شيخه في الدرس ، فلا يجد فيها جواباً شافياً ، مما اضطره إلى مراجعة معتقده ، فأعلن توبته منه ، ومعاداته له ، بعد أربعين عاماً قضاها في الاعتزال ، ثم رجع عن ذلك ، وصرّح بتضليل المعتزلة ، وبالغ في الرد عليهم .
ثم أخذ عن ابن كُلاّب – واسمه عبد الله بن كُلاّب القطان أحد المتكلمين ، ويُعتبر من متكلمة الصفاتية الذين يقولون بنفي الصفات الاختيارية ، ويقصدون نفي كون الصفات الفعلية متعلقة بمشيئته سبحانه ، وطريقته يميل فيها إلى مذهب أهل السنة ، لكن فيها نوع من البدعة ، وكان ممن أكثر من الرد على الجهمية النفاة ، والمعتزلة الجهمية ، توفي بعد 240هـ وقال ببعض أقواله ، واعتقد معتقد طريقة الكُلاّبية ، حتى أن أئمة أهل السنة أنكروا عليه مقولاته ، والتي هي بقايا التجهم والاعتزال ، وردّوا عليه ، ثم استقر أخيراً على عقيدة أهل السنة ، ودافع عن معتقداتهم ، وردّ على من خالفهم كما في كتابيه "مقالات الإسلاميين" و "الإبانة عن أصول الديانة" وعدّ ابن تيمية وابن القيم كتابه "الإبانة" من الكتب المعتمدة في تقرير عقيدة أهل السنة في الجملة ، وذكر ابن عساكر أن الأشعري له بعض المخالفات ، كما في تبيين كذب المفتري وأشار ابن تيمية إلى ذلك مبيناً أن السبب هو بقاء بعض أصول المعتزلة معه ، لكن يمكن أن يقال إن الأشعري مع كل هذه التوبة الصادقة بقيت معه بقايا من علم الكلام ، لا يقرّ عليها ، ولا تنقص من فضله ، توفي بعد سنة 324هـ وله سبعون سنة .
"حقيقة البدعة" للغامدي (1/164-171 ، 161-162) ، "المعتزلة" للعبدة وطارق عبد الحليم ص (14) .
7- إسماعيل بن عبّاد الطالقاني ، صحب الوزير أبا الفضل بن العميد ، ومن بعدها اشتهر بالصاحب ، وهو الصاحب بن عبّاد ، وكان شيعيّاً معتزليّاً مبتدعاً ، تياهاً صلفاً جباراً ، قيل : إنه ذُكر له البخاري ، فقال : ومن البخاري ، حَشوِيٌّ لا يُعوّل عليه ، مات سنة 385هـ وله تسع وخمسون سنة .
"نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء" لمحمد حسن عقيل (3/1194-1195)
8- إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري ، أبو إسحاق النظام ، لُقّب بذلك ، وقال أشياعه : سببه أجاد نظم الكلام ، وقال خصومه : إنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة ، وكان من أكابر المبرزين ، حتى عُدّ مفخرة المعتزلة وشيخها المتقدّم ، الموصوف بالنبوغ والنباهة ، من أئمة المعتزلة ، عاشر زمان شبابه قوماً من الثنوية وقوماً من السمنية ، وخالط ملاحدة الفلاسفة ، وأخذ عن الجميع ، متّهم بالزندقة ، وكان شاعراً أديباً بليغاً ، أخذ الاعتزال عن أبي الهذيل العلاف ، ومن تلاميذه الجاحظ ، وقد قال تلميذه الجاحظ : ( الأوائل يقولون : في كل ألف سنة رجل لا نظير له ، فإن صحّ ذلك ، فأبو إسحاق من أولئك ) مات سنة 231هـ
"الأعلام" للزركلي (1/43) ، "المعتزلة" للعبدة وطارق عبد الحليم ص (28 ، 97) .
9- عمرو بن بحر الجاحظ أبو عثمان ، صاحب التصانيف المشهورة ، كان نابغة في قوة الحفظ وأحد الأذكياء ، وكان صاحب مجون وقلة دين ، ليس بثقة ولا مأمون ، وكان من أئمة البدع ، ونظراً لبلاغته استطاع دسّ اعتزاله في كتبه ، كما يُدس السم في الدسم ، مثل : البيان والتبيين ؛ مات سنة 255هـ .
"ميزان الاعتدال" للذهبي ( 4/167) ، "حقيقة البدعة" للغامدي (1/183) ، "المعتزلة" للعبدة وطارق ص (112) ، "نزهة الفضلاء" لمحمد بن حسن (2/853-855) ، "الموسوعة الميسرة" (1/72) .
10- بشر بن المعتمر البغدادي ، أبو سهل ، رأس المعتزلة البغدادية ، وكان متصلاً بالبرامكة ، فقيه مناظر ، أول من أثار مسألة التولد ، قال الشريف المرتضى : ( يقال إن جميع معتزلة بغداد كانوا من مستجيبيه ) له مصنفات في الاعتزال ، منها قصيدة في أربعين ألف بيت ، ردّ فيها على جميع المخالفين ، مات سنة 210هـ .
"الأعلام" للزركلي (2/55) ، "المعتزلة" للعبدة وطارق عبد الحليم ص (28) .
11- عيسى بن صبيح ، أبو موسى المردار ، من مدرسة بغداد ، ويسمى راهب المعتزلة ، عُرِف عنه التوسع في التكفير ، حتى كفّر الأمة بأسرها ، بما فيها المعتزلة ، وكان يقول : ( إن الله يقدر أن يظلم ويكذب ) مات سنة 226هـ .
"المعتزلة" للعبدة وطارق عبد الحليم ص (29 ، 111) ، "معجم ألفاظ العقيدة" لعامر فالح ص (372) .
12- ثمامة بن أشرس النُميري ، أبو معن ، من رؤوس المعتزلة ، وكان زعيم القدرية في زمان المأمون والمعتصم والواثق ، وكان قريباً من المأمون ، حتى قيل : ( إنه هو الذي أغرى المأمون ، ودعاه إلى الاعتزال ) وكان جامعاً بين قلة الدين وخلاعة النفس ، ومن تلاميذه الجاحظ ، وكان كثيراً ما يترك الصلاة ، روى عنه الجاحظ : ( إن غلام ثمامة قال يوماً لثمامة : قم صل ، فتغافل ثمامة ، فقال الغلام : قد فات الوقت ، فقم فصلّ واسترح ، فقال ثمامة : أنا مستريح إن تركتني ، وعُدّ من رؤساء الفرق الضالة الهالكة ؛ مات سنة 234هـ
"الأعلام" للزركلي (2/100) ، "المعتزلة" للعبدة وطارق ص (111-112) ، "الموسوعة الميسرة" (1/72) .
13- عبد الجبار بن أحمد الهمذاني ، أبو الحسين ، كان شيخ المعتزلة في عصره ، ولُقِّب بقاضي القضاة ، ولا يطلق هذا اللقب على غيره ، وكان من غلاة المعتزلة ، أرّخ لهم ، وقنّن مبادئهم وأصولهم الفكرية والعقدية ، ومن متأخري المعتزلة ؛ مات سنة 414هـ .
"ميزان الاعتدال" للذهبي (3/247) ، "الأعلام" للزركلي (3/273) ، "الموسوعة الميسرة" (1/72) .
14- أبو الحسن الخياط ، ويقال : أبو الحسين الخياط ، من معتزلة بغداد ؛ مات سنة 290هـ وقيل سنة 300هـ .
"المعتزلة" للعبدة وطارق عبد الحليم ص (112) ، "الموسوعة الميسرة" (1/72) .
15- عبد السلام بن محمد الجبائي ، أبو هاشم ، عالم بالكلام ، من كبار المعتزلة ؛ مات سنة 321هـ .
"الأعلام" للزركلي (4/7) .
16- عبد السلام بن محمد بن يوسف القزويني ، أبو يوسف ، ابن بُندار ، شيخ المعتزلة في عصره ، وكان يفتخر بالاعتزال ، وله جرأة ، وكان إذا قصد باب نظام الملك يقول : استأذنوا لأبي يوسف المعتزلي ، مات سنة 448هـ ، وله ست وتسعون سنة .
"نزهة الفضلاء" (3/1325) ، "الأعلام" للزركلي (4/7) .
17- مَعْمر بن عبّاد السلمي ، معتزلي من الغلاة ، من أهل البصرة ، وناظر النظام ، وكان أعظم القدرية غلوّاً ، وله فضائح ؛ مات سنة 215هـ .
"الأعلام" للزركلي (7/272)
18- جعفر بن حرب الهمداني ، من أئمة المعتزلة ، من أهل بغداد ، أخذ الكلام عن أبي الهذيل العلاف ، وألف كتابًا سمّاه "توبيخ أبي الهذيل " يعني شيخة ، وأشار بتكفيره ، مات سنة 236هـ .
"الأعلام" للزركلي (2/123) ، "المعتزلة" للعبدة وطارق عبد الحليم ص (28) .
19- بشر بن غياث ، أبو عبد الرحمن المِريسي – بكسر الميم والراء المشددة- القاموس- فقيه معتزلي ، عارف بالفلسفة ، منسلخ من الورع والتقوى ، يُرمى بالزندقة ، وهو رأس طائفة المريسية من المرجئة ، مقته كثير من أهل العلم ، وكفّره عدّة ، منهم قتيبة ، ونَقل غير واحدٍ : أن رجلاً قال ليزيد بن هارون : عندنا ببغداد رجل ، يُقال له : المريسي ، يقول : القرآن مخلوق ، فقال : ما في فتيانكم من يفتك به ؟ وذكر الذهبي أن المريسي أُخِذ في دولة الرشيد وأُوذِي وأُهِين من أجل مقالته ، قال الذهبي : فهو بشرُ الشر ، وبشرُ الحافي بشر الخير ، كما أن أحمد ابن حنبل هو أحمد السنة ، وأحمد بن أبي دؤاد أحمد البدعة ، مات سنة 218هـ وقد قارب الثمانين .
"الأعلام" للزركلي (2/55) ، "نزهة الفضلاء" لمحمد بن حسن (2/755) ، "حقيقة البدعة" للغامدي (1/145)
المعتزلة في العصر الحديث :
فكر الاعتزال له شأن في عصرنا الحديث ، ولولا ذلك ، ما اجتهدنا في التعريف بهذه الفرقة وأفكارها ومبادئها ، ولاعتبرناها من الفرق التي اندثرت في التاريخ ، لكن لما أطلّ خَلَفهم في عصرنا هذا برؤوسهم ، ونادوا بما ادعته المعتزلة من مناهج ، كان لزاماً بيان خطر هذا الفكر .
ويحاول بعض الكتاب والمفكرين في عصرنا هذا، إحياء فكر المعتزلة من جديد ، وألبسوه ثوباً جديداً ، وأطلقوا عليه أسماء جديدة ، مثل : التنوير ، التجديد ، التطور ، التحرر الفكري ، المعاصرة ، التيار المستنير .
وهذه النزعة قد تأثرت بالفكر الغربي العقلاني المادي ، وأهم مبدأ معتزلي سار عليه المتأثرون بالفكر المعتزلي الجدد ، هو ذاك الذي يزعم أن العقل هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة ، إن هؤلاء العقلانيين جعلوا عقولهم حاكمة على النصوص الشرعية ، جعلوا تلك العقول مع قصرها ومحدودية إدراكها وتفاوت أنواعها وكثرة خطأها حاكمة وقاضية على النصوص الشرعية الصحيحة المتلقاة من وحي معصوم من عند الله عز وجل ، وجعلوا مقتضيات العصر الحديث ومستجداته ومتغيراته حاكماً آخر على الوحي ، فهم يسعون إلى إنزال الشرع على وفق مقتضيات العصر الحاضر ، أرادوا أن يظهر الإسلام بالمظهر المقبول عند أتباع الحضارة الغربية ، ويقولون : إن لم يكن الإسلام أحسن من معطيات الحضارة الغربية فهو ليس بأقل منها ، ويردّدون : ( وما لنا نجمد مع الجامدين من الفقهاء والأئمة والمحدّثين من السلف ، ونلتزم طريقهم ، ولا نقتبس عن المعتزلة المسلمين مواقفهم العقلية التحررية المستنيرة ، والتي تتناسب مع مقتضيات عصرنا الراهن ) تلك هي مجمل دعاواهم وملخص قولهم الذي أرادوا به القضاء على عقيدة المسلمين ، وتلبيس الحق بالباطل ؛ وقد نجحت جهودهم في إزاحة شريعة الحق عن الساحة ، وهو شأن المفسدين في كل زمان ومكان ، وإن الاتجاه العقلاني المعاصر أو المدرسة الإصلاحية أو عصرنة الإسلام إزاء النصوص الشرعية من أخطر المذاهب وأشدها تضليلاً ، وأكثرها تحريفاً لشرائع الإسلام الصحيح ، حيث أن هذا المسلك قد انتحله عدد غير قليل من المفكرين والمثقفين ، ويتضمن التلبيس على كثير من المسلمين ، ومن ثم فلا يستغرب أن يقوم أعداءٌ للإسلام بالكيد لهذا الدين وأهله ، وذلك من خلال هذا المسلك العقلي المتحرر ، والذي يرفع شعار الإسلام .
وفي الجملة ، فإن هذا المسلك العقلاني امتداد لفرقة المعتزلة المعروفة ، والتي ظهرت في القرون الأولى ، حيث أن هناك قواسم مشتركة بين المعتزلة الأوائل وبين أفراخهم من العقلانيين المعاصرين .
ومنها : جعلُ العقل نداً للوحي ، بل قد يقدمون العقل على النص الصحيح ، وهذا كثيرا جداً .
ومنها : مصدر تلقي العقيدة ومنهج الاستدلال على العقائد .
ومنها : التبعية للمذاهب والفلسفات الأجنبية .
ومنها : استباحة الخوض في الأمور الغيبية .
ومنها : الاستهانة بأحكام الله وشرعه .
ومنها : الجرأة على إثارة الشبهات والآراء الشاذة باسم التسامح الديني وحرية الفكر .
ومنها : الاتفاق على مقت أهل السنة ، والتهوين من شأنهم ، فالمعتزلة الأوائل كانوا يرمون السلف الصالح بأنهم حشوية ومجسمة ، وهؤلاء المعاصرون يُلقّبون أهل السنة بالأصوليين أو المتشددين أو المتزمتين ، وربما رموهم بالتشنج والحرفية وضيق الأفق ، هذه أكثرها .
وأخطر ما في هذا الفكر الاعتزالي : محاولة تغيير الأحكام الشرعية التي ورد فيها النص اليقيني من الكتاب والسنة ، مثل عقوبة المرتد وفرضية الجهاد وإقامة الحدود وارتداء الحجاب وتعدد الزوجات والطلاق والإرث ، وطلب أصحاب هذا الفكر إعادة النظر في ذلك كله ، وتحكيم العقل في هذه المواضيع .
ومن الواضح أن هذا العقل الذي يريدون تحكيمه هو عقل متأثر بما يقوله الفكر الغربي حول هذه القضايا في الوقت الحاضر .
ويحتج هؤلاء المفكرين : بأن تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن إنما كان مناسباً لحال الصحابة الذين كان سقف المعرفة لهم متدنياً ، وأن أصول الفقه تأثرت بفقه اليهود والنصارى ، والإسرائيليات غزت التفسير وأفسدته ، وأن أهل الحديث قد رووا مرويات مغشوشة مغلوطة ، وإن صح إسنادها عندهم ، ولكن العقل يحكم بفسادها ، وإن كانت في صحيح البخاري ومسلم .
وقد سرت عدوى "التحرر" و "العقلانية" وأمثالها إلى الوطن الإسلامي ، نتيجة الاختلاط بين الشرق والغرب في مطلع القرن الماضي ، عن طريق البعثات التعليمية وغيرها ، فتأثر تلامذة البعثات بما وجدوه في أوربا ، ونقلوا ذلك في كتبهم – بقصد أو بدون قصد – كرفاعة الطهطاوي ، و خيرالدين التونسي ، إلى أن جاء دور جمال الدين الأسد آبادي – المعروف بالأفغاني – وهو إيراني المولد والمنشأ ، تربى في أحضان علماء الرافضة ، وقد قام بالعديد من الأعمال التي كان لها أسوأ الأثر في العالم الإسلامي ، رغم ما يحلو للبعض من المسلمين "الطيبين" أن يدعوه باسم "باعث الشرق" ونقل محمد محمد حسين رحمه الله عن كتابٍ لأحد كبار رجال الماسونية في مصر : أن باعث الشرق هذا – جمال الدين الأفغاني – كان رئيساً لمحفل كوكب الشرق الماسوني ، وأن محمد عبده كان عضواً في هذا المحفل .
وقد تكشّفت حقيقة جمال الدين هذا لعلماء تركيا ، الذين اطلعوا على رفضه وخبثه ، فطردوه من بلادهم ورموه بالكفر ، من أمثال الشيخ مصطفى صبري - مفتي الدولة العثمانية - وغيره من العلماء .
المدرسة الإصلاحية الحديثة :
إن محمد عبده ، تلميذ جمال الدين الأفغاني ، وهو صاحب المدرسة العقلية الاعتزالية ، التي اصطلح على تسميتها بالمدرسة الإصلاحية ، والتي ظهرت أوائل هذا القرن في مصر العربية ، وخرج من تحت عباءتها كثير من الكُتّاب ؛ والباحث في كتبهم يستطيع أن يتلمّس آثار مدرسة فكرية مميزة ، ينتمي إليها فكر هؤلاء الكتاب وآرائهم ، يُستدل عليها بوحدة الآراء وتقارب المفاهيم ، وتُميّز بتشابه الموضوعات وتلاقي المقاصد والغايات .
هذه المدرسة التي وإن لم تتخذ صبغة رسمية ، تفجأ القارئ المسلم بتلك الدعاوى والآراء التي هي امتداد لما عُرف بالمدرسة الإصلاحية .
وأما زعماء هذه المدرسة فهو : جمال الدين الأفغاني ، ومن بعده تلميذه محمد عبده ، وعلى رأس تلك المدرسة أحمد خان الهندي ، الذي مُنِح لقب "سيد" من قبل السلطات البريطانية تكريماً له .
أصول الاعتقاد لدى العقلانيين – المظاهر الفكرية لدى العقلانيين
1- مدح المعتزلة الأوائل وتبجيلهم ، والثناء الحسن الكثير عليهم ، ويفعل ذلك كثير منهم ، منهم زهدي جار الله وأحمد أمين ، قال أحمد أمين في كتابه "ضحى الإسلام" : ( والآن يحق لنا أن نتساءل : هل كان في مصلحة المسلمين موت الاعتزال وانتصار المُحدّثين ) ثم أعلن أنه ليس في صالحهم القضاء على الاعتزال ، بل كان من الواجب على المعتزلة و المحدثين أن يستمروا كحزبين : أحدهما تقدمي والآخر محافظ ، ليستفيد المسلمون من كليهما !
ويقول صراحة : ( في رأيي أن من أكبر مصائب المسلمين موت المعتزلة ) ومنهم أيضا : زكي نجيب محمود ، في كتابه "تجديد الفكر العربي" وعرفان عبد الحميد في كتابه "دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية" ويقول : ( المعتزلة أول مدرسة كلامية ظهرت في الإسلام ، وكان لها دور كبير في تطوير الفكر الديني والفلسفي فيه ، فهي التي أوجدت الأصول العقلية للعقيدة الإسلامية ) ! ومنهم عبد الستار الراوي في كتابه "فلسفة العقل" يقول عن حركة الاعتزال : ( حركة ثقافية تتخطّى المذهبيات المغلقة ، تنتهج في جدلياتها الكلامية ) "الحرية" ( وأنها تقيم الأدلة المنطقية على عقم الاتجاهات السلفية ومواقفها الوثوقية ) ومنهم عدنان زرزور في رسالته (الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير ) فقد دعا ( للإفادة من منهج المعتزلة العقلي ومن سائر المناهج الكلامية الأخرى في الدفاع عن الإسلام وشرح حقائقه أمام مناوئيه ومخالفيه من أتباعه والغرباء عنه على حدٍ سواء ) ونقل عن كتاب "تاريخ المذاهب الإسلامية" لمحمد أبو زهرة : ثناء أبو زهرة على المعتزلة ، مؤيداً هذا الثناء ، يقول عدنان : قال أبو زهرة : ( إن هؤلاء المعتزلة يعدون فلاسفة الإسلام حقاً ، لأنهم درسوا العقائد الإسلامية دراسة عقلية ، مقيدين أنفسهم بالحقائق الإسلامية ، غير منطلقين في غير ظلها ، فهم يفهمون نصوص القرآن فهماً فلسفياً ، ويغوصون في فهم الحقائق التي تدل عليها ، غير خالعين للشريعة ، ولا متحللين من النصوص ) .
2- مسخ عقيدة الولاء والبراء ، وذلك بطريق المزج والتأليف بين الدين الإسلامي وبين جميع الجاهليات ، أو ما يُسمى بوحدة الأديان وزمالتها ، فهذا عبد العزيز كامل ، يَرى أن منطقة الشرق الأوسط هي منطقة التوحيد بدياناتها الثلاث ، الإسلام والمسيحية واليهودية ، وهو ما يؤكده كذلك فهمي هويدي ومحمد سعيد عشماوي "نقلاً عن جريدة الأخبار المصرية" ، أما عبد الله غزالي فيقول في كتابه "نظرات في الدين" ويشرح معنى الإسلام بقوله : ( الإسلام هو أن تسلم وجهك لله وأنت محسن ، وأي امرئ كان هذا حاله ، فإنه مسلم ، سواء كان مؤمناً بمحمد ، أو كان من اليهود أو النصارى أو الصابئين ) وبين أن الجنة ليست حكراً على المسلمين الموحدين ، وأن الدين المنجي عند الله ليس الإسلام وحده ! فيقول : ( لماذا يعتقد أتباع كل دين أن الله يختصهم بالجنة ويذر غيرهم ، وأكثر الناس في النار ) ثم يؤكد أخيراً أن حقيقة الشرك هي العداء بين الأديان .
وهكذا ظهرت الدعوة إلى القومية أو الإنسانية العالمية ، أو الدعوة إلى التقارب مع الرافضة ، فجمال الدين الأفغاني دعا لوحدة الأديان ، وكذا تلميذه محمد عبده ، كما نادى محمد عمارة بالقومية ووحدة الأديان ، وكذا معروف الدواليبي دعا للقومية والعالمية .
3- هدم علوم وأصول التفسير التي أسسها السلف لكتاب الله عن طريق عزله عن الضوابط التي لا يُفهم القرآن إلا بها ، ليصبح النص القرآني نصاً عائماً يفسّره كل مفسَر عصري ، بما شاء له من التأويل ، وهذا ما دعا إليه د . طه جابر العلواني - رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي بولاية فرجينيا في الولايات المتحدة الأمريكية – في كتابه "ابن تيمية وإسلامية المعرفة" قال : ( بناء منهج للتعامل مع القرآن ... يقتضي ذلك إعادة بناء وتركيب علوم القرآن المطلوبة لهذا الغرض وتجاوز كثير من الموروث في هذا المجال ) .
4- هدم الإسناد . قال د . طه جابر العلواني في كتابه السابق ( أن العقلية المعاصرة عقلية تبحث عن الناظم الموضوعي للأمور ، وتحاول النفاذ إلى المنهجية الكاملة الأبعاد ، وبهذه المنهجية يمكن النفاذ إلى مقاصد الكتاب والسنة ، دون الوقوع في أُطر ماضوية تلقي المحاولات التجديدية التي تحاول إحداث تجديدات أو تأويلات في التطبيقات الماضية في ثوب جديد ) .
5- تعطيل الجهاد في سبيل الله ، وتضييق دائرته ، وقصره على ما يُسمى بالدفاع فقط ، وقد قال بهذا أحمد خان والذي مُنح لقب سير من قبل الاستعمار – الاستدمار البريطاني – لإرضاء الإنجليز لأنهم عانوا كثيراً من جهاد المسلمين الهنود لهم ، وبعضهم يدعي الرد على فرية المستشرقين الزاعمين أن الإسلام لم ينتشر إلا بالسيف ، كما أنهم حرّفوا ما يتبع الجهاد من أحكام شرعية ، فمثلاً من هؤلاء من ينكر الجزية ، أو يتأولها على غير معناها الصحيح ، ومنهم من يبطل تقسيم الدور إلى دار اسلام ودار كفر ، وهناك من يمنع الرق ويتلمّس المعاذير لدين الله عز وجل ، وكأن دين الله تعالى في محل اتهام ويحتاج إلى تبرئة من تلك الدعاوى - نعوذ بالله من الخذلان – ، وقد تحدث د . علي العلياني في كتابه "أهمية الجهاد" عن ذلك بشيء من التفصيل والبيان .
6- القول بأن الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة وتكفيرهم خارج عن أدب الحوار .
7- الدعوة إلى تطوير الإسلام ، والاجتهاد الغير منضبط بضوابط الشرع ، والقياس الموسّع ، وتطوير دين الإسلام ، بأصوله أو فروعه ، كما وقع من محمد إقبال وأمين الخولي ومحمود الشرقاوي ومحمد فتحي عثمان وحسن الترابي وغيرهم ، وينادي د . محمد فتحي عثمان في كتابه "الفكر الإسلامي والتطور" بتطوير العقيدة والشريعة معاً ، ويزيد د . حسن الترابي فيدعوا إلى تجديد أصول الفقه ، يقول : ( إن إقامة أحكام الإسلام في عصرنا تحتاج إلى اجتهاد عقلي كبير ، والاجتهاد الذي تحتاج إليه ليس اجتهاداً في الفروع وحدها ، وإنما هو اجتهاد في الأصول أيضا ) ويشكك محمد سعاد جلال في إمكانية وجود نص قاطع في الشريعة ثبوتاً ودلالة ، حتى القرآن الكريم ، الذي وإن كان ثابتاً من جهة النقل ، إلا أن الظن يتطرق إليه من قِبل الدلالة ، وهذا عبد اللطيف غزالي يدعو إلى دثر التراث كله ، حيث يقول : ( أما علوم سلف المسلمين فهي شيء متخلّف غاية التخلف بالنسبة لما لدينا ، ولا أقول لما لدى الأوربيين من علوم ) .
كما أن في هؤلاء ممن يدعو إلى فتح باب الحوار وعلى مصراعيه مع الأطراف الأخرى من أصحاب الاتجاهات المنحرفة ، كالعلمانيين أو اليساريين أو الرافضة أو النصارى ونحوهم ، وكل ذلك بدعوى إثراء الفكر وأن اختلاف الرأي لا يُفسد للود قضية، وقد ظهر في بعض تلك الملتقيات محاولات متكلَّفة للتقريب بين أفكار متباينة ، والسعي إلى الالتقاء في منتصف الطريق عن طريق بعض التنازلات والمداهنات .
8- إنكار بعض المعجزات النبوية وكرامات الصالحين وبعض الغيبيات ، أو تأويلها تأويلاً يأباه النص ، كموقفهم من نُزول المسيح عيسى عليه السلام والملائكة والجن والطير الأبابيل وظهور الدجال في آخر الزمان .
وهذه نظرية ما يُسمّى بالوضعية المنطقية التي تبناها زكي نجيب محمود ، كما في كتابه "تجديد الفكر العربي" تماماً كما قالت المعتزلة ، وهذا محمد عبده يُفسّر هلاك أصحاب الفيل بوباء الحصبة أو الجدري الذي حملته الطير الأبابيل وينكر نزول المسيح عيسى عليه السلام ، وما ورد في القرآن في رفعه بعد نزوله كما ورد في السنة ، أن الرفع هو رفع الروح بعد وفاته العادية ، ونزوله وحكمه في الأرض آخر الزمان بغلبة روحه وسر رسالته على الناس ، وتبعه على ذلك محمود شلتوت ، وهكذا حسن الترابي قال : ( أنا لا أناقش الحديث من حيث صحته ، وإنما أراه يتعارض مع العقل ) ويلتقي محمد عبده وشلتوت والترابي ومن قال بقولهم من معظم الإصلاحيين مع القاديانية في هذا الاعتقاد ، وزعم محمد عبده أن الملائكة قوة وفكراً أودع في النفوس ، وزعم محمود شلتوت – أحد تلامذة محمد عبده – أن الجن هو الوسواس ونوازع الشر .
9- عدم الأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد بدعوى أنها لا تفيد العلم ، بل هي ظنية ، كما وقع من محمد عبده .
10- إنكار حدّ الردة بدعوى حرية الفكر والرأي و "الانفتاح الفكري" ويرى حسن الترابي أن الردة الفكرية يعني بالتعبير الشرعي "الكفر الاعتقادي" إذا كان لا يصاحبها خروج على نظام الدولة فلا تستوجب إقامة الحد ، ويرى محمد فتحي عثمان أن عقوبة الردة كانت لضرورة عسكرية ، أملتها الظروف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
11- استباحة الاختلاط بين الرجال والنساء ، والتساهل في شأنه ، يقول د . محمد فتحي عثمان : ( فإذا التقى الرجل بالمرأة في ظروف طبيعية هادئة محكمة ، فلن يغدو هذا اللقاء قارعة شديدة الوقع ... سيألف الرجل رؤية المرأة ومحادثة المرأة ومعاملة المرأة ، في إطار من الدين والخلق ... وستألف المرأة بدورها الرجل ، فيهدأ السعار المضطرم ، ولا يكون هناك مجال للانحراف والشذوذ ، وتتجمع لدى الطرفين خبرات وحصانات وتجارب ) وهذا سعد زغلول ينادي بنزع الحجاب عن المرأة ، وهذا قاسم أمين ، وهذا لطفي السيد ، الذي أُطلِق عليه "أستاذ الجيل" وهذا طه حسين الذي أسموه "عميد الأدب العربي" كلهم دعوا إلى تحرر المرأة ، وهذا سيد أمير علي ، تلميذ السيد أحمد خان ، أحل الاختلاط بين الرجل والمرأة ، وأحل زواج المسلمة بالكتابي ، وهذا شيخه السيد أحمد خان أباح بعض أنواع الربا كربا الفضل وغيره .
"المعتزلة" للعبدة وطارق عبد الحليم ص (125-140) ، "الموسوعة الميسرة" (1/77-79) .
"مقالات في المذاهب والفرق" لعبد العزيز العبد اللطيف ص (77-84) .
"دراسات في السيرة النبوية" لمحمد سرور ص (265-330)
"معجم ألفاظ العقيدة" لعامر فالح ص (305-307) .
الخاتمة :
وبعد ، فتلك هي فرقة المعتزلة في ماضيها وحاضرها ، في أفكارها ومعتقداتها ، في مبادئها وآرائها ومناهجها ، وإذا انحرف المسلمون في هذا الاتجاه ، اتجاه ترويض الإسلام بمستجدات الحياة والتأثير الأجنبي ، بدلاً من ترويض كل ذلك لمنهج الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فستصبح النتيجة ألا يبقى من الإسلام إلا اسمه ، ولا من الشريعة إلا رسمها ، ويحصل للإسلام ما حصل للرسالات السابقة التي حُرِّفت بسبب اتباع الأهواء والآراء ، حتى أصبحت لا تمت إلى أصولها بأي صلة .
ولذا ، فلا بد أن يتعلم الخلف من أخطاء سلفهم ، ويعلموا أن عزة الإسلام وظهوره على الدين كله ، هي في تميّز منهجه وتفرد شريعته ، واعتباره المرجع الذي تقاس عليه الفلسفات والحضارات في الإطار الذي يمثله الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح في شمولهما وكمالهما .
وفي الختام ، أوصي نفسي وإخواني من أهل الإسلام الأصيل أن يتمسكوا وبعلم وبصيرة بعقيدة السلف الصالح ، وأن يتفقهوا في دين الله عز وجل ، وأن نسعى ونتواصى لترسيخ الولاء ، والانتماء لمنهج أهل السنة والجماعة ، مهما كانوا وأيًّا كانوا ، كما أنه يتعين علينا فقه واقعنا المعاصر ، وأن ندرك بوعيٍ وحذرٍ وبعد نظر حقيقة هذه الاتجاه العقلاني ، فنرصد كتبهم ومؤتمراتهم ومجلاتهم ، ثم نكشفها أمام المسلمين ، ونحذر من ضلالهم وزيغهم ، وعلينا واجب النصيحة تجاه من انخدع بهذا المسلك المتحرّر من ضوابط الشريعة ، وأن نناقشهم طلباً للحق ، وندعو لهم بالهداية والاستقامة ، فأهل السنة يعرفون الحق ويرحمون الخلق .
سائلا الله تبارك وتعالى أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه ، هذا ما نعلم ؛ وفوق كل ذي علم عليم ، وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
"الموسوعة الميسرة" (1/79) ، "المعتزلة" للعبدة وطارق عبد الحليم ص (141)
"مقالات في المذاهب والفرق" للعبد اللطيف ص (84) .

* أكثر مباحث هذا البحث مأخوذة من " المعتزلة بين القديم والحديث" لمحمد العبدة ، وطارق عبدالحليم

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

1  -  الاسم : ام عســـــــــــــــــــــــــ لا     من :      تاريخ المشاركة : 23/7/1430 هـ
يعطيهم العافيه ولبى عليييهم كلهم
2  -  الاسم : ام عســــــــــــــــــاف لا     من :      تاريخ المشاركة : 23/7/1430 هـ
جزانا واياكم الجنه ------------------- 
3  -  الاسم : الطويـــــــــــــــــــــــــ لا     من :      تاريخ المشاركة : 23/7/1430 هـ
[كيف اتواصل معاكم[

 

طباعة

8174  زائر

إرسال


كان يجيء فيدخل في فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها، فإذا علم أني نمت سلّ نفسه، ثم يقوم فيصلي، فقلت له: ارفق بنفسك. فقال: اسكن ويحك، يوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها زماناً. زوجة حسان بن أبي سنان [حلية الأولياء]
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 
  الصدق نجاة والكذب هلكة 

  نبذة عن شقراء 

عبائتي كمها ضيق فهل ألبسها؟   كيف يرقي الإنسان ويعوذ أولاده