اضفه للمفضله اخبر عنا اتصل بنا البث المباشر

التاريخ : 25/7/1428 هـ

آراء ومقالات

الشيخ/ جماز بن عبدالرحمن الجماز

وداعاً رمضان

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه و على آله وصحبه أجمعين أما بعد ...
فإنه بمرور الليالي والأيام تنقص الأعمار ، وتُطوى بها صحائف الأعمال ، وبالأمس القريب استقبلنا شهر رمضان المبارك ، وغداً نودعه بما أودعناه ، شاهداً علينا بما عملناه، فهنيئاً لمن كان شاهداً له عند الله بالخير، شافعاً له بدخول الجنة والعتق من النار، صح في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إنًّ لله في كل يوم وليلة عتقاء من النار في شهر رمضان وإن لكل مسلم دعوة يدعو بها فيستجاب له "  وروي في الضعيف " أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تُعطها أمة قبلهم ـ وعدَّ منها ـ ويُغفر لهم في آخر ليلة قيل : يا رسول الله، أهي ليلة القدر ؟ قال : لا ، ولكن العامل إنما يُوفى أجره إذا قضى عمله"
وروي في الضعيف " أن الصائمين يرجعون يوم الفطر مغفوراً لهم ، وأن يوم الفطر يسمى يوم الجوائز " وروي في الضعيف " إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض فيقفون على أفواه السكك، ينادون بصوت يسمعه مَنْ خلق الله إلا الجن والإنس ، يقولون يا أمة محمد اخرجوا إلى رب كريم ، يعطي الجزيل ، ويغفر الذنب العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله عزوجل لملائكته : ما جزاء الأجير إذا عمل عمله ؟ فيقولون : إلهنا و سيدنا أن يُوفى أجره فيقول : إني أشهدكم أني جعلتُ ثوابهم من صيامهم وقيامهم رضائي ومغفرتي، ارجعوا مغفوراً لكم " وفي لفظ آخر " ياعبادي فوعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئاً في جمعكم لآخرتكم إلا أعطيتكم ، ولا لدنياكم إلا نظرت لكم ، فوعزتي

لأ سُترن عليكم عثراتكم ما راقبتموني ، وعزتي وجلالي لا أخزيكم ، ولا أفضحكم بين أصحاب الحدود ، انصرفوا مغفوراً لكم ، قد أرضيتموني ورضيت عنكم ، فتفرح الملائكة وتستبشُر بما يعطي الله هذه الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان "
 
قال الزهري رحمه الله : إذا كان يوم الفطر وخرج الناس إلى الصلاة اطلع الله عليهم ، فقال : ياعبادي لي صمتم ، ولي قمتم ، ارجعوا مغفوراً لكم " وقال مُورّق العجلي رحمه الله " لبعض إخوانه في المصلى يوم الفطر : يرجع هذا اليوم قوم كما ولدتهم أمهاتهم ".

أحبتي في الله : لقد كان سلفنا الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه ، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من ردّه، ومن ذلك ماجاء عنهم في رمضان ، قال عبدالعزيز بن أبي روّاد رحمه الله " أدركتُهم يجتهدون في العمل الصالح ، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم : أتُقبِّل منهم أم لا؟ ". قال بعض السلف: " كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم " .
وكان بعض السلف يظهر عليه الحزن يومَ عيد الفطر ، فيقال له : إنه يوم فرح وسرور ، فيقول : صدقتم ، ولكني عبدٌ أمرني مولاي أن أعمل له عملاً ، فلا أدري أيقبله مني أم لا ؟ ". ورأى وهب بن الورد رحمه الله قوماً يضحكون في يوم عيد ، فقال " إنْ كان هؤلاء تُقبِّل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين ، وإن كان لم يُتقبل منهم فما هذا فعل الخائفين".
وعن الحسن قال " إن الله جعل رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته ، فسبق قومٌ ففازوا ، وتخلفّ آخرون فخابوا ، فالعجبُ من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ، ويخسر فيه المبطلون ، ورُوي عن علي رضي الله عنه أنه كان ينادي في آخر ليلة من رمضان : يا ليت شعري ، من هذا المقبول فنهنَيه ومن هذا المحروم فنعزيَه .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول " أيها المقبول : هنيئاً لك، أيها المردود : جبر الله مصيبتك ".
إنّ من أدرك رمضان ولمُ يغفرله فيه ، فقد فاته ربح العام ، ومن أدرك العشر الأواخر منه ولم يصلِ الصيام فيها بالقيام ، ويُلّذذ نفَسه فيها بتلاوة أفضل الكلام ، كلامِ الملك العلام ، فقد حُرمِ الخيرَ ولم تكن له أسوةٌ حسنةٌ بخير الأنام ، محمدٍ عليه الصلاة والسلام .
إنه محرومٌ غايةَ الحرمان ، صحََّ في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال : " آمين ، آمين ، آمين ، قيل: يا رسول الله إنك حين صعدت المنبر قلت: آمين ، آمين ، آمين ، قال : إن جبريل أتاني ، فقال : " من أدرك شهر رمضان ولم يُغفر له فمات فدخل النار فأبعده الله . قل آمين ، فقلت آمين ... "
فمن لم يُغفرْ له في رمضان ، فمتى يُغفُرله ، متى يُغفُر لمن لم يُغفر له في هذا الشهر، متى يُقبُل ، من رُدَّ في ليلة القدر ، متى يصلحُ ، من لا يصلحُ في رمضان ، كلُ ما لايُثمر من الأشجار في أوان الثمار، فإنه يُقطع ثم يُوقد في النار ، من فرّط في الزرع في وقت البذار ، لم يحصد يوم الحصادِ غير الندم والخسار .

أيها المحبون : من كان منكم أحسن ، فعليه بالتمام ، ومن كان فرّط فليختمه بالحسنى ، فالعمل بالختام، ولنعلمْ ، أن لربنَّا تبارك وتعالى في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار ، فأيُ شيء يكون في النهار، وإذا كان هذا صنيعُه بالأشرار والعصاة والفجار ، فأي شيء يُعدّه للأخيار والمتقين الأبرارْ ، هو والله جناتٌ تجري من تحتها الأنهارُ في مقعد صدقٍ بخير جوارْ ، فهنيئاً لكم أيها الصائمون عن المُفطرِات والأوزار، فإنكم لمن الصابرين الصادقين القانتين المستغفرين بالأسحار ، وأنتم الذين يقول الله فيكم {يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ* وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ }آل عمران115.
ما أكرمَ الله أمةً بمثل ما أكرمَ به هذه الأمة المحمدية في هذا الشهر فذنوبٌ مغفورة ، وعيوبٌ مستورة ، ودعوات مستجابةً ، وأجور مضاعفة، وقد قال كعب " من صام رمضان وهو يُحدّث نفسه إذا أفطر بعد رمضان عصى ربه ، فصيامه عليه مردودْ ، ومن صام رمضان، وهو يُحِّدث نفسه إذا أفطر بعد رمضان أن لا يعصي الله دخل الجنة بغير حساب ولا مسألة"أهـ
وإن المؤمن ليفرح بانتهاء الشهر, لأنه استعمله في العبادة والطاعة ، فهو يرجو أجره وفضائله ، ولذلك فهو يُتبع شهر رمضان بالاستغفار والتكبير والعبادة ، وقد كتب عمر بن عبدالعزيز رحمه الله إلى الأمصار " يأمرهم بختم رمضان بالاستغفار والصدقة صدقة الفطر، فإن صدقة الفطر طُهرةٌ للصائم من اللغو والرفث، والاستغفارُ يُرقِّّع ما تخرّق من الصيام باللغو والرفث ، قولوا كما قال أبوكم آدم عليه السلام " {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }الأعراف23 وقولوا كما قال نوح " عليه السلام {إلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ}هود47 وقولوا كما قال موسى عليه السلام {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي }القصص16 وقولوا كما قال ذوالنون {لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ }الأنبياء87 " أ.هـ وقال يحيى بن معاذ رحمه الله " من استغفر بلسانه و قلبُه على المعصية معقود ، وعُزمه أن يرجع إلى المعصية بعد الشهر ويعود ، فصومه عليه مردود ، وباب القبولِ في وجهه مسدود"أهـ
وأما المنافق فهو يفرح بانتهاء الشهر لينطلق إلى المعاصي والشهوات التي كان مسجوناً عنها في رمضان ولذلك فهو يُتبع شهر رمضان بالمعاصي واللهو وحفلات الغناء والطبول فَرَحاً بفراقه .
قال الشيخ صالح بن فوزان حفظه الله : إن كثيراً من الناس تضيع أوقاتهم بعد العيد بالسهرات والرقصات الشعبية واللهو واللعب ، وربما تركوا أداء الصلوات في أوقاتها أو مع الجماعة ، فكأنهم يريدون بذلك أن يمحُوا أثر رمضان من نفوسهم ، إن كان له فيها أثر ، ويجددّوا عهدهم مع الشيطان الذي قلَّ تعاملهم معه في شهر رمضان ، إن أولئك حَريِّون ألاّ يُقبل منهم رمضان, لأن من شروط صحة التوبة ، العزمُ على عدم العودة إلى الذنب بعدها، وهؤلاء, تركوا الذنوب تركاً مؤقتاً ثم عادوا إليها ، وهذا لا يُعتبر توبة ، لأنهم إنما تركوها لعارض ثم عادوا إليها بعد زواله " ا . هـ

فيا أيها الأخ الحبيب : حاسب نفسك قبل أن تُحاسب ، وأعد للسؤال جواباً ، وللجواب صواباً ، آهٍ على رمضان وقد انقضت أيامُه ، وذهبت لياليِه وتم صيامُه وقيامُه ، وعما قريبٍ يزول تعبُه والآمُه ، ويَسوءُ المخبتين القانتين تمامه ، فعليهِ من المؤمنين تحيةُ الله وسلامهُ ، ونسأله تعالى أن يعودَ علينا عامُه, ونحن بخير وعافيةٍ وقد رُفعت للدين أعلامُه ، وسادَ دستُوره ونظامُه ، واللهُ يُخلصِّنا فيه من النار قبل أن يحلِ ختامُه ، في ذمة الله يا شهر التلاوة والتسبيح ، وفي دعة الله ياشهر القيام بالتراويح، في أمان الله يا شهر المصابيح والمتجر الربيح، يا شهر البر والإحسان والإيمان الصحيح ، فيك يجئ النشاط لكل عمل مليح ، وتقصر فيك الإرادة عن كل قبيح ، فيك يجودُ الشحيُح ، وَيغنى الفقير ويستريحْ ، فيك يُقبل المؤمنون على الطاعة وصدق اليقين ، ويعمرُون المساجد ويُظهرون شعائر الدين ، يا شهر رمضان ترفّقْ ، دموعُ المحبين تدفق ، قلوُبهم من ألم الفراق تشّققْ ، عسى وقفة للوداع تُطفي من نار الشوق ما أحرق ، عسى ساعةُ توبة وإقلاع ترنو من الصيام كلَّ ما تخّرق ، عسى منقطعٌ عن ركب المقبولين يلحق ، عسى أسير الأوزار يُطلق ، عسى من استوجب النار يُعتَقْ .
اللهم اغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم ، اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم, اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين .

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

1  -  الاسم : شباب الوشم لا     من : الله ينفعبك الامة      تاريخ المشاركة : 12/9/1428 هـ
السلام عليك ورحمة الله وبركاته،،،، 
 
 
 
نشهد الله على حبك فيه  
 
 
 
واسأل الله انه يسددك ويريك الحق حقاً ويرزقك اتباعه 
 
 
 
 
 
* اقتراح فتح حلقة قرأن للكبار لتفقهم في كتاب الله وتربيتهم سلوكياً للفضيلتكم.  
 
 
 
2  -  الاسم : سندس لا     من : الاردن      تاريخ المشاركة : 26/9/1428 هـ
اللهم بارك بك يا فضيلة الشيخ

 

طباعة

10514  زائر

إرسال


كان يجيء فيدخل في فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها، فإذا علم أني نمت سلّ نفسه، ثم يقوم فيصلي، فقلت له: ارفق بنفسك. فقال: اسكن ويحك، يوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها زماناً. زوجة حسان بن أبي سنان [حلية الأولياء]
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 
  الصدق نجاة والكذب هلكة 

  نبذة عن شقراء 

عبائتي كمها ضيق فهل ألبسها؟   كيف يرقي الإنسان ويعوذ أولاده