اضفه للمفضله اخبر عنا اتصل بنا البث المباشر

التاريخ : 2/8/1428 هـ

بحوث ودراســات

الشيخ/ جماز بن عبدالرحمن الجماز

هي خير من ألف شهر

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله وسلم وبارك عليه ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .
ففي حياة الأمم والشعوب ، أحداثٌ خالدهْ ، وأيام مجيدهْ ، تحمل في طياتها مايفرح القلوب ، ويُبهج النفوس ، ولقد شرفت هذه الأمة ، بأعظم الأحداث ، وأكمل الأيام ، وأتم الليالي . ومما أنعم به الخالق على هذه الأمة ، ليلة وصفها الله عز وجل بأنها مباركة ، لكثرة خيرها وبركتها وفضلها ، إنها ليلة القدر، عظيمة القدر، ولها أعظمُ الشرف وأوفى الأجر، أُنزل القرآن في تلك الليلة، قال الله جل وعلا ِ{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ }القدر2 ، وقال جلَّ وعلا {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ }الدخان3 وهذه الليلة ، هي في شهر رمضان المبارك ليست في غيره ، قال الله تعالى ِ{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}البقرة185 وقد سميت الليلة بهذا الاسم ، لأن الله تعالى يُقدرّ فيها الأرزاق والآجال ، حوادث العالم كلها ، فيكتب فيها الأحياء والأموات، والناجون والهالكون ، والسعداء والأشقياء ، والحاج والداج، والعزيز والذليل ، والجدب والقحط ، وكل ما أراده الله تعالى في تلك السنة، ثم يدفع ذلك إلى الملائكة لتمتثله ، كما قال تعالى {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ }الدخان4وهو التقدير السنوي والتقدير الخاص ، أما التقدير العام فهو متقدم على خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، كما صحت بذلك الأحاديث .
هذا ، وقد نّوه الله بشأنها ، وأظهر عظمتها ، فقال جل وعلا ِ{وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ }القدر3 فمن تُقبل منه فيها ، صارت عبادته تلك ، تفضل عبادة ألف شهر ،وذلك ثلاثة وثمانون عاماً وأربعة شهر ، فهذا ثواب كبير ، وأجر عظيم ، على عمل يسير قليل .
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما صحّ عنه: " من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه "  ، يحييها الإنسان تصديقاً بوعد الله بالثواب عليه ، وطلباً للأجر، لا لشيء آخر، والعبرة بالاجتهاد والإخلاص، سواء علم بها أم لم يعلم فلتحرص أيها الأخ الكريم ، على الصلاة والدعاء في تلك الليلة ، فإنها ليلة لا تشبه ليالي الدهر ، فخذ أيها الإنسان نصيبك من خيرها الحسََنْ، واهجرْ لذة النوم وطيبَ الوسن وجاف جنبيك عن مضجعك الحَسَنْ .
وأما وقتها وتحديدها في رمضان ، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها ليلة إحدى وعشرين ، وليلة ثلاثٍ وعشرين ، وخمس وعشرين ، وسبع وعشرين ، وتسع وعشرين ، وآخر ليلة في رمضان، قال الشافعي رحمه الله " كأن هذا عندي والله أعلم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب على نحو ما يُسأل عنه ، يُقال له : أنلتمسها في ليلة كذا ، فيقول " التمسوها في ليلة كذا " أ. هـ
وقد اختلف العلماء في تحديد ليلة القدر ، وذلك على أكثر من أربعين قولاً، ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري ، وهذه الأقوال بعضها مرجوح ، وبعضها شاذ ، وبعضها باطل، والصحيح في هذا أنها في أوتار العشر الأواخر من رمضان ، ليلة إحدى وعشرين ، وثلاث وعشرين ، وخمس وعشرين ، وسبع وعشرين ، وتسع وعشرين ، كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: " التمسوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان" ومتى ضعف الإنسان أو عجز أو تكاسل ، فليتحرها في أوتار السبع البواقي، ليلة خمس وعشرين, وسبع وعشرين ، وتسع وعشرين ، كما في حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما صحّ عنه " التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعُف أحدكم أو عجز ، فلا يُغلبَّن على السبع البواقي " .
وبهذا التفصيل تأتلف الأحاديث ولا تختلف ، وتتفق ولا تفترق ، والأقرب إلى الدليل أن ليلة القدر تنتقل ، وليست ثابتة في ليلة محدودة من كل عام ، بل مرةً تكون ليلة إحدى وعشرين ، ومرة تكون ثلاثاً وعشرين، ومرة تكون خمساً وعشرين ، ومرة تكون سبعاً وعشرين ومرة تكون تسعاً وعشرين ، فهي بهذا مجهولة لا معلومة، وقد أخفى الشارع الحكيم وقتها لئلا يتكل العباد على هذه الليلة، ويدعوا العمل والعبادة في سائر ليالي شهر رمضان ، وبذلك يحصل الاجتهاد في ليالي الشهر حتى يدركها الإنسان .
والصواب أنه لايشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه، فليس من اللازم ، أنَّ من وفقّ لها لايحصل له الأجر حتى يرى كل شيء ساجداً ، أو يرى نوراً، أو يسمع سلاماً، أو هاتفاً من الملائكة ، وليس بصحيح أن ليلة القدر ، لاينالها إلا من رأى الخوارق، بل فضل الله واسع، وليس بصحيح أيضاً أنّ من لم يرعلامة ليلة القدر، فإنه لايدركها، ولايُُوفقَّ لها .
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يحصر العلامة ، ولم ينف الكرامة.
قال ابن تيمية " وقد يكشفها الله لبعض الناس في المنام أو اليقظة ، فيرى أنوارها ، أو يرى من يقول له هذه ليلة القدر ، وقد يفتح على قلبه من المشاهدة ما يتبين به الأمر " أ.هـ
وقال النووي " فإنها ترى ويتحققها من شاء الله تعالى من بني آدم كل سنة في رمضان ، كما تظاهرت عليه هذه الأحاديث ، وأخبار الصالحين بها ، ورؤيتهم لها أكثر من أن تحصر، وأما قول القاضي عياض عن المهلب بن أبي صفرة " لايمكن رؤيتها حقيقة ، فغلط فاحش نبهّتُ عليه لئلا يُغتر به " أ.هـ
ونقل الحافظ ابن حجر أن من رأى ليلة القدر ، اسُتحَّب له كتمان ذلك ، وألاّ يخبر بذلك أحداً ، والحكمة في ذلك ، أنها كرامة ، والكرامة ينبغي كتمانها بلا خلاف .
وليلة القدر ، ليست خاصة بهذه الأمة، بل هي عامة لهذه الأمة ، وللأمم السابقة كلها, وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه قال : يارسول الله، هل تكون ليلة القدر مع الأنبياء ، فإذا ماتوا رفعت ، قال عليه الصلاة والسلام فيما صحَّ عنه: " بل هي إلى يوم القيامة "
ومن العلامات التي تُعرف بها ليلة القدر ، ما جاء في حديث أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما صحَّ عنه: " تطلع الشمس في صبيحة يومها لا شعاع لها " .
والمقصود من الغد، ونقل النووي أنه لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها ونزولها إلى الإرض وصعودها بما تنزل به ، سترت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها " أ.هـ
وأما غير ذلك ، من العلامات ، فلا يثبت فيها حديث ، ككونها ليلة ساكنة ، لاحارة ولاباردة ، ولا يُرمى فيها بنجم ، ولا يحل للشيطان أن يخرج مع الشمس يومئذ.
وهناك علامات لا أصل لها ، وليست بصحيحة ، كالأشجار تسجد على الأرض ثم تعود إلى مكانها ، وأن المياه المالحة تصبح في ليلة القدر حلوة ، وأن الكلاب لا تنبح فيها ، وأن الأنوار تكون في كل مكان .
إن ليلة القدر ، ليست للمصلين فقط ، بل هي للنفساء والحائض ، والمسافر والنائم ، وقد قال الضحاك : "لهم في ليلة القدر نصيب ، كلُ من تقبل الله عمله ، سيعطيه نصيبه من ليلة القدر"أ.هـ
وينبغي للإنسان أن يشغل عامة وقته بالدعاء والصلاة ، قال الشافعي: "أستحب أن يكون اجتهاده في نهارها ، كاجتهاده في ليلها"أ.هـ ، وقال سفيان الثوري: "الدعاء في الليلة ، أحب إليّ من الصلاة"أهـ فالدعاء في ليلة القدر ، كان مشهوراً ومعروفاً عند الصحابة ، فلتحرص أيها الأخ الكريم والأخت الكريمة على تخير جوامع الدعاء الواردة في الكتاب العزيز ، والتي كان يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم ، أو أرشد إليها ، ولنعلم جميعاً أنه ليس لليلة القدر، دعاء مخصوص لايُدعى إلا به ، بل يدعو المسلم بما يناسب حاله ، ومن أحسن ما يدعو به الإنسان في هذه الليلة المباركة ، ما صحَّ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " لو علمتُ أي ليلة ليلة القدر لكان أكثر دعائي فيها أن أسأل الله العفو والعافية " .
وهكذا يحرص كل مسلم ، أن يدعوا بالأدعية الجامعة من دعوات النبي صلى الله عليه وسلم الواردة عنه في مقامات كثيرة ، وأحوال خاصة وعامة ، قال النووي : "ويُستحب أن يُكثر فيها من الدعوات بمهمات المسلمين ، فهذا شعار الصالحين ، وعباد الله العارفين " أ.هـ
وهكذا أيها المسلمون ، فلكم إخوانٌ وأخواتٌ نذروا أنفسهم لإعلاء كلمة الله في الأرض ، فلا تبخلوا عليهم بدعوة صادقة .
اللهم يامن خلق الإنسان وبَنَاه ، واللسان وأجراه ، يامن لايُخيَّب من دعاه، هبْ لكلٍ منا ما رجاه، وبلّغه من الدارين مُناه ، اللهم اغفرلنا جميع الزلات ، واستر علينا كل الخطيئات ، وسامحنا يوم السؤال والمناقشات، وانفعنا وجميع المسلمين بما أنزلته من الكلمات يا أرحم الراحمين .

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

 

طباعة

9373  زائر

إرسال


كان يجيء فيدخل في فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها، فإذا علم أني نمت سلّ نفسه، ثم يقوم فيصلي، فقلت له: ارفق بنفسك. فقال: اسكن ويحك، يوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها زماناً. زوجة حسان بن أبي سنان [حلية الأولياء]
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 
  الصدق نجاة والكذب هلكة 

  نبذة عن شقراء 

عبائتي كمها ضيق فهل ألبسها؟   كيف يرقي الإنسان ويعوذ أولاده