اضفه للمفضله اخبر عنا اتصل بنا البث المباشر

داعية مُفترىً عليه

 

يقول تعالى : {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ }آل عمران164ويقول تعالى : {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }التوبة128 .

لو أوكل الله البشرية إلى عقولها ، لضلّت ، لكنها مِنّة من الله ورحمة : أن بعث إليها الأنبياء والرسل ، ومن أعظم منن الله عز وجل على البشرية جمعاء : أن بعث محمد بن عبد الله r اليتيم – الذي ربى الدنيا ، الأمي – الذي علم العالم ، رسول رب العالمين{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ }الأعراف 158خاتم الأنبياء والمرسلين {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ }الأحزاب40وقال r : « إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ، فلا رسول بعدي ولا نبي » أخرجه أحمد وغيره عن أنس بن مالك مرفوعاً وهو صحيح .

"الإرواء" ج(8) ص(128) (2473) .

اسمه ونشأته :

هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، اسمه مأخوذ من الحمد ، وأمه آمنة مأخوذ من الأمن ، وأبوه عبد الله مأخوذ من العبودية لله عز وجل ، ومرضعته حليمة وهو مأخوذ من الحلم ، وُلد في عام الفيل ، الموافق سنة : (570) أو (571)م ، وذلك في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول ، يوم الاثنين ، كانت بعثته r على سن الأربعين ، حمل لواء الدعوة إلى الله عز وجل ثلاثة وعشرين عاماً ، تُوفّي في يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول وهو ابن ثلاث وستين سنة .

"السيرة النبوية الصحيحة" ج(1) ص(96 ، 124) ، ج(2) ص(553) .

حمل لواء الدعوة ثلاثاً وعشرين سنة ، منها ثلاثة عشر عاماً بمكة ، وعشر سنين في المدينة النبوية ، فكانت سنّه يوم أن هاجر إلى المدينة ثلاث وخمسين سنة .

"السيرة النبوية الصحيحة" ج(1) ص(129) .

وقد اختاره الله من البشر ، ولو اختاره من جملة الملائكة لما تبعه أحد قط ، لأنه لن يُرى إلا أن يتشكل بصورة إنسان ، وحينئذ يختلط الأمر عليهم : أهو ملك أم بشر ؟ فلا يتبعه أحد {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ }الأنعام9 بل سيجد كل إنسان العذر والحجة في عدم الإتباع ، لأنه ملك من الملائكة ، يستطيع ما لا يستطيعه البشر ، فكانت بعثته هو وغيره من الأنبياء والرسل من البشر {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ }الأنبياء7 {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ }الكهف110.

وإنه أيها الأحبة ، لا حجة لأحدٍ أمام الله تعالى في ترك اتباع الصراط المستقيم ، في ترك الالتزام بسبب أن سنّه كبيرة،فهذا المصطفى r بُعث على سنّ الأربعين .

إنه لا حجة لأحدٍ أمام الله تعالى في ترك الدعوة إلى الله بسبب أن سنّه كبيرة أيضاً ، فهو r هاجر على سن الثالثة والخمسين ، وهو مطلوب حيًّا أو ميّتاً على جائزة قدرها مائة ناقة ، إنه لا حجة لأحدٍ أن يدع الطريق والالتزام والدعوة لأجل زوجة أو مال أو عيال ، فيجعل منهم عائقاً بينه وبين الالتزام ، فرسول الله r كان له من النساء تسع ، وكان له عيال ، فلم تكن عائقاً بينه وبين ربه ، إنه لا حجة لأحد أن يدع الطريق بسبب إيذاء الناس له وسخريتهم ، فرسول الله r اتُهم بالجنون والسحر والكذب ، ووضعوا على ظهره فرث جزور وهو ساجد لربه ، ويُحبس مع أصحابه في شعب أبي طالب ثلاث سنين ، لا يواكلونهم ولا يناكحونهم ولا يحادثونهم ، حتى يُسلِّموا الرسول r لقريش لتقتله .

"السيرة النبوية الصحيحة" ج(1) ص(181-183) .

مكانته :

أ- عند الله عز وجل ، فقد زكى ربّ العزة عقله،فقال {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى } النجم2 وزكى لسانه ، فقال : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى }النجم3 وزكى بصره ، فقال : {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى }النجم17 وزكاه كله ، فقال {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }القلم4 وقد جعل الله تعالى اسمه قريناً لاسمه سبحانه ، فقال : {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ }الشرح4 قال مجاهد : "أي فلا أذكرُ إلاّ ذُكِرتَ معي ، إذا قال العبد : أشهد أن لا إله إلا الله ، أتمها : أشهد أن محمداً عبده ورسوله .

[ ب- أخبر سبحانه وتعالى : أن أهل السماء – الملأ الأعلى – يُصلون على النبي r ، ودعا أهل الأرض لذاك ، فقال : {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً }الأحزاب56 ؛ وقال r : « ما جلس قومٌ مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم ، إلاّ كان عليهم تره ، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم » أخرجه الترمذي وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعاً ، وهو صحيح . "الصحيحة" ج(1) ص (114) برقم(74) . ]

ج- ذكره r بلفظ التكريم والتفضيل ، وذلك في مواضع ، ومنها :

1- مناداته ، فما من نبي إلاّ ناداه رب العزة باسمه {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ }مريم12 {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً }ص26 { فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ } الممتحنة: ٤ إلاّ محمد r ، فقد ناداه بقوله : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ } المائدة: ٦٧ { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ } التحريم: ٩. 2- ما أقسم رب العزة بعمر أحد من خلقه ، إلاّ بعمر المصطفى r ، فقال : {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} الحجر: ٧٢. 3- سؤاله ، فموسى عليه السلام سأل ربه : {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} طه: ٢٥  ، وأما محمد r فقد أُعطي قبل السؤال أصلاً :{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}الشرح: ١  .

د- مكانته بين الأنبياء ، فقد أخذ رب العزة سبحانه العهد على كل نبيّ ورسول بعثه ، أنْ إذا بُعِث محمد بن عبد الله r عليه أن ينفض ما في يده ، ويكون تبعاً لرسول الله r ، {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } آل عمران: ٨١.

السمات البارزة في حياته r :

إن قدوتنا هو نبينا محمد r ، ولذا فإنه واجب علينا ولا محالة : أن نمعن النظر في سيرته ، وأن تكون لنا منهجاً ونبراساً يضيء لنا الطريق .

ويطيب لنا أن نستعرض وإياكم شيئاً من ذلك ، ونتناوله أباً وزوجاً وداعيةً وقائداً .

أما كونه أباً : فلقد كان أرحم الناس بعياله r ، عن جابر قال : دخلت على النبي r وهو يمشي على أربعة ، وعلى ظهره الحسن والحسين رضي الله عنهما ، وهو يقول : « نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما » أخرجه الطبراني ، وهو ضعيف . "مجمع الزوائد" ج(9) ص(182) .

وعن البراء بن عازب : "أنه r كان يصلي ، فركبا على ظهره ، فكان إذا رفع رأسه قال بيده فأمسكهما ، وقال : نعم المطية مطيتكما" أخرجه الطبراني وهو حسن . "مجمع الزوائد" ج(9) ص(182) .

رُوي عنه r أنه قال : « من كان له صبيٌٌّ فليتصاب له» أخرجه ابن عساكر عن معاوية مرفوعاً ، وهو ضعيف . "ضعيف الجامع الصغير" ج(1) ص(836) برقم(5800) .

وهو المؤدب لهم عليه الصلاة والسلام يقول عمر بن أبي سلمة : "كُنتُ غلاماً في حِجْر رسول الله r ، وكانت يدي تطيش في الصحفة ، فقال لي رسول الله r : « يا غلام ، سم الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك ...» أخرجه البخاري وغيره .

"الفتح" (9) ص(521) برقم(5376) .

وهو الغارس لخشية الله في قلوبهم ، وقد كان النبي r يسير مع الحسن به علي رضي الله عنهما ، فرأى ثمرة من تمر الصدقة ، فجعلها في فيه ، فقال رسول الله r : « كخٍ كخٍ ، ارم بها ، أما علمتَ أنا لا نأكل الصدقة » أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً . "شرح النووي" ج(7) ص(181) برقم(1069) .

وأما كونه زوجاً r ، فلقد كان من أفكه الناس مع نسائه r ، وألطفهم بأهله ، يقول النبي r : « أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ، وخياركم خياركم لنسائهم »أخرجه الترمذي وأحمد عن أبي هريرة مرفوعاً وهو صحيح .

"الصحيحة" ج(1) ص(511) برقم(284) .

بل كان مُصحِّحاً لمفاهيم المرأة إذا هي أخطأت ، ومرّةً أُهدي لرسول r شاة ، فتصدق بها إلاّ الكتف ، فقالت عائشة رضي الله عنها : « لقد ذهبت كُلها إلا كتفها » فقال r : « لا يا عائشة ، بل بقيت كلها إلا كتفها ، فما ننفقه هو الذي سوف يبقى ، وما نأكله هو الذي سوف يفنى" أخرجه الطبراني وغيره عن عائشة ، وهو ضعيف . "مجمع الزوائد" ج(5) ص(36) .

 وهو r كان زوجاً حكيماً ، مؤدباً لزوجاته ، وقد كان r "شديد الوفاء لخديجة رضي الله عنها ، لمواقفها العظيمة الكريمة ، مما حدا بعائشة رضي الله عنها أن غارت لكثرة ما يذكر رسول الله خديجة ، فقاله له يوماًً : ما أكثر ما تكثر من ذكر خديجة ، وقد أخلف الله تعالى لك من عجوز حمراء الشدقين ، وقد هلكت في دهر ، فغضب رسول الله r غضباً ما غضب مثله قط ، وقال : « إن الله رزقها مني ما لم يرزقه أحداً منكن » أخرجه الطبراني وإسناده حسن .

وفي رواية : « قد آمنت بي إذ كفر بي الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني الله أولادها ، وحرمني أولاد الناس » أخرجه أحمد وإسناده حسن ، فقالت : يا رسول الله ، أعف عني ، والله لا تسمعني أذكر خديجة بعد هذا اليوم بشيء تكرهه" أخرجه الطبراني وإسناده حسن . "مجمع الزوائد" ج(9) ص(224) .

وأما كونه داعية r ، فهو يعلم أن طريق الله فيه المحن والفتن والتي تصفّي الصف ، ولذا كان إذا خرج في غزوة ، تنادى الأصحاب : يا رسول الله ، فلانٌ لم يأت معنا ، وفلان لم يأت معنا ، والنبي r لا يزيد على أن يقول : « إن كان فيه خير ، فسيلحقه الله بكم ، وإن كان فيه شر فقد كفاكم الله شره » .

وإنّ من سمات دعوته r : أنه كان يتألف الناس ، حتى يدخلوا في هذا الدين كأتباع ، لا أن يتألفهم حتى يكونوا قادة للمجتمع المسلم ، النبي r عرض دعوته على بني عامر بن صعصعة ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، فقال له رجل منهم – يُقال أن اسمه بَيحرَة بن فراس : نؤمن بك ، ويكون لنا الأمر من بعدك – أي نكون نحن الخلفاء – فقال رسول الله r : « الأمر إلى الله ، يضعه حيث يشاء » فقال له الرجل : أفتُهدَن – أفنهدر – نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك – لا حاجة لنا بدعوتك – .

"سيرة ابن هشام" ج(2) ص(73) .

وبعدما يعرض النبي r عنه ، وفي هذا أنه لا ينبغي لمسلم أن يدخل في جبهة فيها أعداء الله عز وجل مع الاختلاف في المنهج والتربية والوسيلة والغاية .

الرسول r وبعد غزوة حنين وزّع الغنائم ، وأعطاها الطلقاء الذي أسلموا في فتح مكة قريباً ، حتى يتألف قلوبهم على الإسلام ، ومنع من الغنائم الأنصار أهل السابقة ، الذين واكبوا دعوة الله تعالى من أولها ، فوجد الأنصار في أنفسهم شيء ، يعطيها الطلقاء ولا يعطينا ونحن أهل السابقة ؛  وقد أتاه من الأنصار رجل يشكوا إليه ذلك ، فأمره النبي r أن يجتمعوا ، فلما اجتمعوا خرج إليهم ، ثم حمد الله تعالى وأثنى عليه ، ثم قال : « يا معشر الأنصار ، ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله ، وعالة فأغناكم الله ، وأعداء فألف بين قلوبكم ؟ » فسكتوا، قال : « أجيبوني معشر الأنصار » ، قالوا : وبماذا نجيب يا رسول الله ؟ قال : « والله لو شئتم لقلتم ، ولو قلتم لصدقتم ولصُدِّقتم : جئتنا طريداً فآويناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وخائفاً فأمناك ، وعائلاً فآسيناك » قالوا : لله الحمد والمنة يا رسول الله ، قال : « يا معشر الأنصار ، لقد وجدتم عليّ في أنفسكم ، في لُعاعة من الدنيا ، تألفتُ بها قوماً حتى يُسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ، ألا تحبون أن يذهب الناسُ بالشاة والبعير ، وترجعوا برسول الله r ، والله ، لو سلكتِ الأنصارُ شعباً لسلكت شعبَ الأنصار ، ولولا الهجرة لكُنتُ امرأً من الأنصار ، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار » فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم بالدموع ، وتفرّقوا وفي قلوبهم الرضا بالذي قسم الله به من رسول الله r .

"الفتح" ج(8) ص(47) برقم(4330) ، "السيرة" لابن هشام ج(4) ص(137) .

فالرسول r لم يلزمهم بالأمر إلزاماً ، وإنما وضّح لهم الأسباب وأثار عواطفهم .

وأما كونه قائداً عليه الصلاة والسلام ، فلقد كان متواضعاً لجنده ، لم يُعاملهم معاملة السيد لعبده ، والذي يُفقده كل كرامة ، ويُشعره أنه لا صلة له بالمعركة ، إلاّ أن يُجبر عليها إجباراً ، ومرة كان النبي r يتفقّد الجيش قبل غزوة بدر ، فرأى رجلاً يُقال له سوَّاد ، وقد تقدّم عن الصف ، وكان بيد رسول الله r عصا ، فغمزه في بطنه ، وقال له : « استقم يا سواد » ، فقال سواد : آذيتني يا رسول الله ، آذيتني يا رسول الله . فناوله رسول الله r العصا ، وكشف عن بطنه الشريفة ، وقال : « إستقد مني يا سواد » فرمى سواد العصا ، واحتضن بطن النبي r يُقبِّلها ، فقال له r : « ما حملك على هذا يا سواد ؟ » قال : يا رسول الله ، حضر ما ترى ، فأحببتُ أن يكون آخر عهدي بك أن يمسّ جلدي جلدك .

"السيرة" لابن هشام ج(2) ص(268) ، "الإصابة" ج(2) ص(95) وهو ابن غَزِيّة ويقال بن عمرو الأنصاري

وكذا من سماته كقائد عليه الصلاة والسلام : أنه كان يُحوّل الهزيمة إلى نصر ، عندما انكسر المسلمون في غزوة أحد ، رجعوا إلى المدينة ، ومن الغد وفي صبيحة يوم الأحد ، يبعث النبي r المؤذن يُؤذن في الناس بالجهاد والخروج إلى القتال ، شريطة ألاّ يخرج إلاّ من كان بالأمس ، وهم الذين انكسروا في غزوة أحد . خرج المُتعبون ، خرج الجرحى ، خرج المُحبطون ، خرج بهم النبي r إلى حمراء الأسد ، وهي قريبة من المدينة ، تبعد عنها (8) أميال ، (20) كيلومتر وبعث إلى قريش ، يقول لها : « إنا ههنا ، إن شئتم الحرب فإنا ههنا » سمع بذلك أبو سفيان ، وخشي أن يخرج إليهم ، فيخسر النصر الذي كسبه بالأمس ، فلم يخرج منهم أحداً ، ويمكث النبي r ثلاثة أيام في حمراء الأسد يوم الأحد والاثنين والثلاثاء ، ثم يعود بعد ذلك إلى المدينة النبوية" .

وقد ارتفعت معنويات الجند ، وأنهم أثبتوا وجودهم ، وهذا درس لا يعلم قدره إلاّ أرباب الحرب وقادتها ، "ذكر ابن إسحاق أنه r أقام بالحمراء ثلاثة أيام ، الاثنين والثلاثاء والأربعاء" .

"السيرة" لابن هشام ج(3) ص(65-66) ، "السيرة الصحيحة" للعمري ج(2) ص(397)

وانظر "سلسلة المنهاج" لهاشم محمد علي ج(2) ص(23-26) ، وشريط "الداعية محمد r" لهاشم محمد علي    كيف انتصر رسول الله r في دعوته :

أيها الأحبة : أتدرون ما الذي جعل النبي r ينتصر في دعوته ؟ لأنه r استعلى على مغريات الأرض كلها ، من أموال وشرف وملك ، فهو عليه الصلاة والسلام رجلُ عقيدة ، لا يُباع ولا يُشترى ، وقد قال كلمةً هي قمّة الاستعلاء على ركام الأرض ومتاعه ، يوم أن ساومته قريش على دينه ، على دعوته ، فقالت له : "إن كنت تريد بهذا الأمر مالاً ، جمعنا لك الأموال حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفاً ، سوّدناك علينا ، فلا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد به ملكاً ، ملّكناك علينا" قال كلمةً ، هي قمة الاستعلاء : « والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركتُه ، حتى يُظهره الله أو أهلك دونه » ."السيرة" لابن هشام ج(1) ص(299 ، 324 ، 326) و"للعمري" ج(1) ص(160)

"الصحيحة" ج(1) ص(147) "والضعيفة" ج(2) ص(310) .

وأمتنا اليوم عاشت لفرجها وبطنها ، وعشقت الحياة ، أي حياة ، حتى ولو تحت الأراذل وصدق فينا قوله r : « يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها » قالوا : أومن قلةٍ نحن يومئذٍ يا رسول الله ؟ قال : « لا ، أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعنّ الله المهابة منكم من قلوب أعدائكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن » ، قالوا : وما الوهن يا رسول الله ، قال : « حب الحياة ، وكراهية الموت » أبو داود عن ثوبان مرفوعاً وهو صحيح .

"الصحيحة" ج(2) ص(683) برقم(958) .

وانتصر رسول الله r في دعوته ، لأنه كان معظماً لربه ، ذاكراً له سبحانه ، يغضبه ما يُغضب ربّه ، ويُرضيه ما يُرضي ربّه .

"سلسلة المنهاج" لهاشم محمد ج(2) ص(26) .

سمات أتباعه :

إن أتباع النبي r ليسوا سواءً في إيمانهم واتّباعهم ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : "عامة الناس معهم إيمان مجمل ، ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم ، يحصل شيئاً فشيئاً إذا أعطاهم الله ذلك ، فكثير من الناس لا يصلون إلى اليقين ، ولو شُكِّكوا لشكوا ، ولو أُمِروا بالجهاد لما جاهدوا ، إذ ليس عندهم من قوة اليقين ما يقدمونه على المال والأهل" بتصرف . "فتح المجيد" ص(391) .

فعلى هذا ، يكون الأدعياء كثير ، ولكن الصادق قليل ، يقول ابن الجوزي : "ليس كلُ مصلٍّ بمتعبِّد ، ولا كلُّ صائمٍ بزاهد ، ولا كلُّ مستمعٍ بخاشع"

"اللطائف" لابن الجوزي ص(72) .

وأُحِبُّ في هذه العجالة أن أُبين لكم السمات الحقيقية لاتباعه r ، ليبين المؤمن من المنافق ، وليظهر الصادق من الكاذب :

1- محبته r ، والمحبة عمل قلبي اعتقادي ، تظهر آثاره ودلائله في سلوك الإنسان وأفعاله ، [ ومن علامات ذلك :

أ- تعزيرُه وتوقيره وتعظيم أمره r ، والتعزير والتوقير : اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه ، ولكلِ ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام ..." قاله ابن تيمية . "الصارم المسلول على شاتم الرسول r" ص(422) .

وقال تعالى :{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} الفتح: ٨.{لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}الفتح: ٩.

ب- الذب عنه وعن سنته r ، وذلك بأن تكون له غيرةٌ أن ينال أحدٌ رسول الله r أو منهجه بالسوء ، ومن الذب عن سنته ، حفظُها وتنقيحُها وحمايتها من انتحال المبطلين وتحريف الغالين وتأويل الجاهلين .

ج – التحاكم إلى سنته وشريعته r ، فلا إيمان لمن لم يحتكم إلى شريعته ، ويسلم تسليماً ، قال تعالى :{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } النساء: ٦٥ وقد بيّن الله تعالى أنّ من علاماتِ الزيغ والنفاق ، الإعراض عن سنته ، وترك التحاكم إليها ، قال تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً }النساء: ٦٠.{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً} النساء: ٦١. "مجلة البيان" ع(79) ص(23 ، 24 ، 25 ، 27 ، 28) .

2- الدعوة ، فليس بالمنعزل عن مجتمعه ، تاركاً الساحة لأعداء الله يعبثون بها ، والدعوة سمة بارزة في حياته r ، قال تعالى : {ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ } يوسف: ١٠٨. وقد مرّ رجل من الأصحاب بشعب فيه ماء عذبة ، فأعجبته لطيبها ، فقال : لو اعتزلتُ الناس فأقمتُ في هذا الشعب ، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله r ، فذكر ذلك للنبي r ، فقال : « لا تفعل ، فإنّ مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً . ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة ... » . الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً ، وهو حسن . "صحيح الجامع" ج(2) ص(1231) برقم(7379) .

3- الوعي ، فلا ينبغي أن يكون الأتباع سُذّجاً أو أغبياء ، تنطلي عليهم الخدع ، ومن السذاجة بمكان : أن نظن أن أعداء الله سُذجاً ن فندخل معهم في جميع شؤونهم ؛ ورحم الله عمر إذ يقول: "لستُ بالخِبّ -المُخادِع- ولا الخِبّ يخدعني" .

4- رد المظالم إلى أهلها ، فرسول الله r وقبل وفاته : صعد المنبر ، وقال : « أيها الناس ، من جلدتُ له ظهراً ، فهذا ظهري فليستقد منه ، ومن أخذتُ منه مالاً ، فهذا مالي فليأخذ منه ، لا تقولوا فضوح – أي قد فضح نفسه – فإنّ فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة » .

فالمال المسروق لا بد أن يعود إلى أصحابه ، والعرض الذي اتُّهم ظلماً لا بُدّ وأن تُبَرَّأ ساحته .

"سلسلة المنهاج" لهاشم محمد ج(2) ص(27-28-29) ، وشريط "الداعية محمد r" لهاشم محمد علي .

حقوق المصطفى r على أمته :

إنّ نبينا عليه الصلاة والسلام قد تحمّل في سبيل تبليغ دعوته صنوف الأذى والاضطهاد ، وكابد المشقات ، حتى نصره الله وبلّغ دينه وله في ذلك على كل مسلم أجر ، وله على كل مسلم حق ، فما هو حق الرسول r على أمته ؟

أهو إطراؤه – وقد نهى عنه - ، أم هي المدائح والأوراد وإقامة الحفلات والرقصات ، أم هو صرف شيء من العبادة إليه كالاستشفاع والاستغاثة ودعائه من دون الله ؟ إنّ كلّ هذا يناقض أمر الرسول r ، إذن ما هي حقوق الرسول r على أمته ؟ إنّ حقوقه كثيرة جداً ، ومرَّ بعضُها في سمات الأتباع للنبي r من محبته وتعزيره وتوقيره ، والذب عنه وعن سنته والتحاكم إلى شريعته والدعوة إلى ما دعا إليه r ، ونقول أيضا ً :

1- اتباعُه وطاعتُه والاهتداءُ بهديه ، وهذا هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله ، قال تعالى : {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} الحشر: ٧ وقد أمر الله عباده بطاعة نبيه ، فقال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ }الأنفال: ٢٠ وجعل الله عز وجل طاعة الرسول r من طاعته سبحانه ، فقال : {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} النساء: ٨٠  وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله r : « كل أمتي يدخل الجنة إلاّ من أبى » قالوا : يا رسول الله ومن يأبى ؟ قال : « من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى » . البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً . "الفتح" ج(13) ص(249) برقم(7280) .

وقد حذّر تعالى من مخالفته ، والخروج عن أمره ، فقال : {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}النور: ٦٣  وقال : {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً}النساء: ١١٥.

أيها الأخوة : إنّ الاهتداء بهديه r لا يقف عند السمت ، عند الشكل العام فقط ، في المأكل والمشرب والملبس والنوم فقط ، بل يتعدّى ذلك إلى ما هو أعظم وأجل ، إلى أكل الحلال وترك الحرام ، إلى التجارة البريئة وترك الربا ، إلى الإخلاص والبعد عن الرياء ، يقول النبي r : « إنّ الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » . مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً .

"شرح النووي" ج(16) ص(357) رقم(2564) .

2- محبته r ، وهي أصل عظيم من أصول الدين ، وقد قرّع الله تعالى من كان مالُه وأهلُه وولدُه أحبَّ إليه من الله ورسوله ، وتوعّدهم بقوله : {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ } التوبة: ٢٤  ثم فسّقهم بتمام الآية ، وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله ، فقال : {وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} التوبة: ٢٤ قاله القاضي عياض ، بتصرّف .

"الشفا بتعريف أحوال المصطفى" ج(2) ص(18) .

وقال النبي r : « لا يُؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين » . البخاري ومسلم عن أنس مرفوعاً .

"الفتح" ج(1) ص(58) برقم(15) ، و"شرح النووي" ج(2) ص(374) برقم(44).

 

وإن محبته r لا تكون إلاّ بالهدي الذي ارتضاه وسنّه لنا ، ولهذا قال r : « من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد » مسلم عن عائشة مرفوعاً .

"شرح النووي" ج(12) ص(257) برقم(1718) .

وإن فئاماً من الناس كثير ، قد غلوا في محبتهم للرسول r غلوّاً أخرجهم عن جادة الصراط المستقيم ، وقد كان رسول الله r حريصاً على حماية جناب التوحيد ، فكان يُحذِّر تحذيراً شديداً من الغلو والانحراف في حقه .

قال r : « لعنة الله على اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، ألا إني أنهاكم عن ذلك » يُحذِّرُ ما صنعوا" البخاري ومسلم عن ابن عباس وعائشة مرفوعاً . "الفتح" ج(8) ص(140) برقم(4443 ، 4444) .

وعن أنس ، أنّ رجلاً قال : يا محمد ، يا سيدنا وابن سيدنا ، وخيرنا وابن خيرنا ، فقال رسول الله r : « قولوا بقولكم ، ولا يستهوينكم الشيطان ، أنا محمد بن عبد الله ، عبد الله ورسوله ، واللهِ ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل » أحمد وغيره عن أنس مرفوعاً ، وهو صحيح .

"غاية المرام" للألباني ص(99) برقم(127) .

وهنا تجدر الإشارة إلى التنبيه على فكرة انتشرت ، بدعوى حب النبي r ، وهي الاحتفال بالمولد النبوي ، وذلك في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول من كل عام ، إنَّ هذا اليوم أصبح عيداً مشهوداً عند كثير من المبتدعة ، يجتمعون فيه لإنشاد المدائح النبوية والأوراد الصوفية وإقامة الحفلات والرقصات ، ناهيك عن بعض الشركيات ، من دعاء النبي r والاستغاثة به ، فضلاً عن الاختلاط بين الرجال والنساء ، والاستماع إلى الملاهي ، ومن المفارقات التي تدعوا إلى التأمل والعجب : أنّ بعض الناس قد يعصي النبي r ليلاً ونهاراً ، ويتهاون في تعظيم أوامره والتزام سنّته ، ومع ذلك فهو يحتفي بيوم المولد ، ويوالي فيه ويعادي ، وكأن غاية الحب عنده هو إحياء هذا اليوم بالمدائح والأوراد ، وبعد ذلك ليفعل ما يشاء .

أيها الأحبة في الله : إنّ تحويل الإسلام إلى طقوس وثنية من الأهازيج الشعرية والطبول والمزامير والتمايل والرقص ، وبالتالي الانحراف به عن صفائه ونقائه : هو من قبيل جعله إلى العبث والخُرافة ، أقرب منه إلى الدين الحق .

ونقول : إنّ محبة الرسول r عقيدة راسخة في قلوب المؤمنين ، ثمرتها الاقتداءُ والبذلُ والعطاءُ والتضحيةُ والجهادُ في سبيل نصرة دينه وإعلاء لوائه وحماية سنّته ، ولا يوجد بين محبي الرسول r مكان للعجزة النائحين ، وما أجمل قول أنس بن النضر رضي الله عنه ، لما مرّ بقوم من المسلمين ، قد ألقوا بأيديهم : "ما تنتظرون ؟ فقالوا : قتل رسول الله r ، فقال : "ما تصنعون في الحياة بعده ؟ قوموا : فموتوا على ما مات عليه" . "سيرة ابن هشام" ج(3) ص(46) .

3- تصديقه فيما أخبر ، وهذا من أصول الإيمان وركائزه الرئيسة ، الإيمان بعصمة النبي r وسلامته من الكذب أو البهتان ، وتصديقه في كل ما أخبر من أمر الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، قال تعالى : {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى}  النجم: ١ {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} النجم: ٢ {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} النجم: ٣ {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى4}النجم: ٤ والجفاء كل الجفاء ، بل الكفر كل الكفر : اتهامه وتكذيبه فيما أخبر .

"مجلة البيان" ع(15) ص(25-26) و ع(794) ص(22 ، 25-26 ، 28-31)

وشريط "الداعية محمد r" لهاشم محمد علي .

4- الصلاة والسلام عليه r ، قال تعالى : {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} الأحزاب: ٥٦ وقال النبي r : « من صلى عليّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً ، وحُطّت عنه عشر خطيئات ، ورُفعت له عشر درجات » النسائي عن أنس مرفوعاً ، وسنده صحيح .

"المشكاة" ج(1) ص(291) برقم(922) .

 

وقال r : « أكثروا الصلاة عليّ ، فإن الله وكَّل بي ملكاً عند قبري ، فإذا صلى عليّ رجل من أمتي ، قال لي ذلك الملك : يا محمد إن فلان بن فلان صلى عليك الساعة » الديلمي وغيره ، عن أبي بكر الصديق مرفوعاً وهو صحيح

"الصحيحة" ج(4) ص(43) رقم (1530).

وتتأكد الصلاة عليه r في مواضع :

1- عند ذكره عليه الصلاة والسلام ، قال r : « البخيل من ذُكرتُ عنده فلم يُصلِّ عليّ » . الترمذي وأحمد عن علي مرفوعاً وهو صحيح .

"المشكاة" ج(1) ص(294) برقم(933) .

والصلاة عليه r كلما ذُكِر واجب ، قاله الطحاوي وجماعة من الشافعية وابن عساكر ، والأكثرون على أنها على كل فردٍ بعينه لا على الكفاية ، وهل يكفي مرة واحدة في المجلس ؟ نعم ، حكاه الترمذي ، وقال السخاوي : هو الصحيح.

"القول البديع" للسخاوي ص(30-36) .

2- الصلاة عليه في المجالس التي يجلسها الناس في بيوتهم ومساجدهم وغيرها .

قال r : « ما جلس قومُ مجلساً لم يذكروا الله فيه ، ولم يصلوا على نبيهم ، إلاّ كان عليهم تِرَة ، فإن شاء عذّبهم ، وإن شاء غفر لهم » أخرجه الترمذي وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعاً ، وهو صحيح .

"الصحيحة" ج(1) ص (114) برقم(74) .

3- الصلاة عليه بعد الأذان ، لقوله r : « إذا سمعتم المؤذن ، فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا عليّ ، فإنه من صلّى عليّ صلاة ، صلى الله تعالى عليه بها عشراً ، ثم سلوا الله ... » مسلم وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً

"شرح النووي" ج(4) ص(328) برقم(384) .

4- الصلاة عليه عند دخول المسجد والخروج منه ، لفعله r فيما أخرجه أحمد والترمذي عن فاطمة ، وله شواهد ، وهو صحيح .

"فضل الصلاة على النبي r" للقاضي ، ت الألباني برقم(82) ص(71 ، 72) .

وكذا عند المرور بالمساجد ، لقول علي رضي الله عنه : "إذا مررتم بالمساجد فصلوا على النبي r" . أخرجه القاضي ، وهو موقوف ، ضعيف .

"فضل الصلاة" للقاضي ت الألباني برقم(80) ص(70) .

5- الصلاة عليه في التشهد الأخير في الصلاة ، وهو ركن من أركانها ، أما في التشهد الأول ، فقيل : جائزة ، وقيل : مستحبة .

6- الصلاة عليه في صلاة الجنازة ، وذلك بعد التكبيرة الثانية .

7- الصلاة عليه بين تكبيرات العيد في الصلاة ، لفعل ابن مسعود وأبي موسى وحذيفة رضي الله عنهم ، وقيسَ عليه تكبيرات صلاة الاستسقاء .

8- الصلاة عليه عند ختم الدعاء ، لقوله r : « كل دعاء محجوب ، حتى يُصلَّى على النبي r » ابن مخلد عن علي مرفوعاً ، والطبراني في الأوسط عن علي موقوفاً ، وله شواهد ، بمجموعها يكون حسناً .

"الصحيحة" ج(5) ص(54) برقم(2035) .

9- يوم الجمعة وليلة الجمعة ، يستحب الإكثار من الصلاة عليه r ، لقوله r :       « أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة وليلة الجمعة » البيهقي عن أنس مرفوعاً ، وفيه ضعف ، وله شواهد كثيرة ، فهو حسن .

"زاد المعاد" ج(1) ص(376) ، وانظر "خصائص الجمعة" جمع الصبابطي ص(70-72 ، 120-121) .

10- في خطبتي الجمعة ، وقد ذهب إلى وجوبها ، وأنها لا تصح إلاّ بذلك : الشافعي وأحمد وعده الزركشي من الأركان ، وأما الشهادتين فأوجبها ابن تيمية وابن القيم . "حاشية الروض" ج(2) ص(445 ، 448) . وانظر "مجلة البيان" ع(15) ص(28-29)

وانظر "القول البديع" للسخاوي ص(289-291) .

وبالله التوفيق ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين .

بعض الكتب المفيدة في هذا الباب :

- "السيرة النبوية" لابن هشام ت عمر عبد السلام تدمري ، ط (دار الريان) ، وشرحها للسهيلي ، "الروض الأنف" ت عبد الرحمن الوكيل ، ط (مكتبة ابن تيمية).

- " زاد المعاد في هدي خير العباد " لابن القيم ، ت عبدالقادر وشعيب الأرناؤوط . ط .موسسة الرسالة .

- "مختصر الشمائل المحمدية" للترمذي ، اختصره وحققه : الألباني ، ط (مكتبة المعارف) .

- "الرحيق المختوم" للمباركفوري ، ط (دار القلم) .

- "السيرة النبوية الصحيحة" لأكرم ضياء العمري ، ط (مكتبة العلوم والحكم) .

- "وقفات تربوية مع السيرة النبوية" جمع أحمد فريد ، ط (دار طيبة) .

- "قبسات من حياة الرسول r" ، لأحمد محمد عساف ، ط (دار إحياء العلوم) .

- "القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع" للسخاوي ، ت بشير عيون ، ط (مكتبة المؤيد) .

- "فضل الصلاة على النبي r" لإسماعيل القاضي ت الألباني ، ط (المكتب الإسلامي) .

 

 


كان يجيء فيدخل في فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها، فإذا علم أني نمت سلّ نفسه، ثم يقوم فيصلي، فقلت له: ارفق بنفسك. فقال: اسكن ويحك، يوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها زماناً. زوجة حسان بن أبي سنان [حلية الأولياء]
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 
  الصدق نجاة والكذب هلكة 

  نبذة عن شقراء 

عبائتي كمها ضيق فهل ألبسها؟   كيف يرقي الإنسان ويعوذ أولاده