اضفه للمفضله اخبر عنا اتصل بنا البث المباشر

التاريخ : 7/8/1428 هـ

بحوث ودراســات

الشيخ/ جماز بن عبدالرحمن الجماز

قواعد في قيمة الزمن

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن بداية كل طريق نحو المستقبل هي نقد الذات ، وهذا يحمل في طياته دعوة ...للانتماء إلى العصر والمستقبل ، الانتماء الواعي المنتج المساهم المُوجِّه .

وإنّ من أهم عوامل هذا الانتماء الالتفات إلى قيمة الوقت . إن التفنن الذي تعيشه أمتنا في تضييع أوقاتها على الصعيدين العام والخاص ، أدّى إلى أن يمضي العالم بدوننا إلى المستقبل ، واعتبارنا من أيتام التاريخ .

وإنْ لم يتحوّل هذا التفنن إلى تفنن في استغلال هذه الأوقات وإعمارها على الوجه الصحيح فستبقى الهوة بيننا وبين المستقبل كبيرة .

إنّ قضية قيمة الزمن ، ثمة قضية حضارية ، ولبعد غورها ، وكبير أثرها ، وشديد مساسها .

لا يكتفى في طرحها ومعالجتها بعقد مؤتمرات أو حلقات دراسية ، على أهمية ذلك وفائدته إنها تحتاج إلى أن تُرضَع مع لبن الأمهات ، وأن تكون في مسلك الآباء والمجتمع أفراداً ومؤسسات واضحة المقصد ، سامية الهدف باختصار من سوانح وتأملات في قيمة الزمن ( 7-9 )

قيمة الزمن في الكتاب :

يقول تعالى في معرض الامتنان،وبيان فضل الله على الإنسان{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}النحل: ١٢وقال{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} الفرقان: ٦٢  فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار ، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل . تفسير ابن كثير ( 6/130 )

وقد أقسم سبحانه بالزمن نفسه ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر .. ﴾ والعصر هو الدهر- الزمن - في قول أكثر المفسرين ، وبه قال ابن عباس ، واختاره الطبري وابن القيم . تفسير الطبري ( 30/187 ) تفسير ابن الجوزي ( 8/224 ) وقال ابن القيم : ( أقسم سبحانه بالعصر لمكان العبرة والآية فيه . فإنَّ مرور الليل والنهار على تقدير قدرة العزيز العليم منتظم لمصالح العالم على أكمل ترتيب ونظام ) التبيان في أقسام القرآن ( 52- 53 ) .

قيمة الزمن في السنة

قال r « لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال : عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل فيه » طب- بز- عن معاذ مرفوعاً وهو صحيح ، الترغيب والترهيب ( 4/299 ، رقم 5267 ) فالعبد محاسب عن مدة أجله فيما صرفه بعامة ، وعما فعل بزمانه وقت شبابه خاصة ، فإن فيه أكثر العطاء وأمضاه السوانح ( 18 ) .

ارتباط قيمة الزمن بالغاية من الخلق :

إن الإنسان لا يدرك قيمة الزمن في حياته ، إلاّ إذا علم الغاية التي من أجلها خلقه الله .

وإنه لمستحيل أن يكون كونه ومخلوقاته جلا وعلا ، أو جدت عبثاً أو لهواً أو ضرباً من الباطل ، دونما غاية أو مقصد ، قال تعالى:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً}ص: ٢٧ وقال { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} المؤمنون: ١١٥ وقد بيّن لنا المولى جل شأنه ، الغاية التي من أجلها خلق الإنسان ، فقال  {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}البقرة30وخلقه ليكون خليفة في الأرض ، وسيداً لهذا الكون .

فسخَّر له سائر مظاهره وموجوداته ،وصيَّرها في خدمته ،{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } لقمان: ٢٠ جعله خليفة وسخّر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه ، ثم أوكل إليه عمارة الأرض بقوله{هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}هود: ٦١.

وإنّ قاعدة هذا الاستخلاف ،وأساس تلك العمارة:العبودية لله عز وجل{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات: ٥٦ ومن ثَمَّ كان النداء الأول لكل رسول{ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} الأعراف: ٦٥، ورسالتهم إنما كانت لإبلاغ هذه الغاية{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ } النحل: ٣٦ إن هذه العبادة التي من أجلها خُلق الجن والإنس ، قد ظلمها فئام من الناس كثير فحرّف بعضهم مفهومها ، وقَصرها البعض الآخر على بعض معانيها ، والعبادة كمما جاء بها الكتاب والسنة " تشمل الدين كله ، وتشمل الحياة كلها ، وتشمل كيان الإنسان كله ظاهره وباطنه " .العبادة في الإسلام "49" . إنها كما يقول ابن تيمية " اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة " .-العبودية- مجموعة التوحيد "2/454، 474 " .

إن بدون هذا المفهوم الجامع للعبادة ، لايمكن للمرء أن يدرك قيمة الزمن وأهميته ، وبالتالي أن يغتنمه ويتوجّه نحو إعماره ، السوانح « 20- 23 » فكان لا بد لزاماً أن يدرك الإنسان وجوده وإنسانيته ووظيفته ، فيعمر أوقاته كلها بطاعة الله .

وقبل أن نتحدث عن كيفية استغلال الأوقات وعن العوامل المساعدة على استغلالها ، نعرض وإياكم العوائق التي تقفُ حَجَر عثرة أمام استغلال الوقت .

عوائق استغلال الوقت :

1- اتباع الهوى ، والهوى « الحب والبغض الذي في النفس » قاله ابن تيمية في رسالته

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( 50 ) والإنسان لا يُلام على مجرد الحب والبغض ، ولكي يُلام على اتباع الهوى فيهما ، كأن يجمل في نظره مجالسة الفارغين أو أن يصرفه هواه إلى كثرة الدعة والراحة والترف فيضيع وقته أو أن يكون مدمن مباحات يتزين الهوى له ، إن الهوى يأمر صاحبه بالميل إلى الشهوات والملذات ، وكل ما لا يعود على الإنسان بفائدة أخروية حتى يصل الإنسان إلى درجة العبادة{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} الجاثية: ٢٣ الوقت عمار أو دمار ( 1/103- 104 ) .

قالr: « ثلاث مهلكات ، وثلاث منجيات وثلاث كفارات وثلاث درجات ، فأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه . وأما المنجيات فالعدل في الغضب والرضا ، والقصد في الفقر والغنى وخشية الله في السر والعلانية .... » طب عن ابن عمر مرفوعاً وهو حسن صحيح الجامع ( 1/584 برقم 3045 ) .

2- طول الأمل ، إنّ طول الأمل ، مرض عضال ، وداء مزمن ، إذا أصاب الإنسان أباده عن بكرة أبيه ، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه ، واشتد علاجه ، وحقيقة الأمل : الحرصُ على الدنيا والانكبابُ عليها ، والحبُ لها والإعراض عن الآخرة ، ويتولّد عن طولِ الأمل أمراض كثيرة منها : « الكسل عن الطاعة ، والتسويف بالتوبة ، والرغبة في الدنيا ، والنسيان للآخرة ، والقسوة في القلب .. » تفسير القرطبي ( 10/4 ) الفتح ( 11/237 ) .

وقال الحسن ( ما أطال عبد الأمل ، إلا أساء العمل ) تفسير القرطبي 10/4

وقال القرطبي مُعلِّقاً ( وصدق رضي الله عنه ، فالأمل يُكسل عن العمل ويُورث التراخي والتواني ، ويُعقب التشاغل والتقاعس ، ويخلد إلى الأرض وتميل إلى الهوى ، وهذا أمر قد شُوهد بالعيان فلا يحتاج إلى بيان ، ولا يُطلب صاحبه ببرهان ، كما أن قصر الأمل يبعث على العمل ، ويُحيل على المبادرة ، ويحث على المسابقة ( تفسير القرطبي 10/4 الوقت 104/106 ) .

3- العوائق السبعيه والغنائم الخمسيه . وهي عبارة عن سبع عوائق ، تعوق الإنسان على وجه العموم ، والدعاة إلى الله على وجه المخصوص ، وقد أبانها النبيr بقوله « بادروا بالأعمال سبعاً ، هل تنتظرون إلاّ : فقراً منسياً ، أو غنى مطغياً أو مرضاً مفسداً أو هرماً مفنداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال فشر غائب يُنتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر » ت- ك ، عن أبي هريرة مرفوعاً وهو ضعيف. ضعيف الجامع ( 341 برقم 2315 ) هذا بالإضافة إلى خمس غنائم ، حثنا رسولنا الكريم rعلى أن نغتنمها ، بقوله « اغتنم خمساً قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك » ك – هب عن ابن عباس مرفوعاً وهو صحيح . صحيح الجامع ( 1/244 ) برقم ( 1077 ) الوقت ( 106 – 108 ) .

4- خواء القلب ، فإذا كان القلب خاوياً فارغاً انعكس ذلك على الجوارح ، فأصبح الإنسان لا يعرف قيمة الزمن ولا كيف يستغله ، لأنه يتحرك من فراغ بخلاف ما لو كان القلب ممتلئاً بالإيمان والأخلاق القلبية ، وهذا ما قرّره العلامة المناوي بقوله : « إن الإنسان إذا تعطل عن عمل ، يشغل باطنه بمباح يستعين به على دينه ، كان ظاهره فارغاً ولم يبق قلبه فارغاً ، بل يعشعش الشيطان ويبيض ويفرخ، فيتوالد فيه نسله توالداً أسرع من توالد كل حيوان ، ومن ثم قيل : الفراغ للرجل غفلة ، وللنساء غِلمة ( فيض القدير 2/290 )

فالمُعوّل عليه هو القلب ، وبحياته وشغله ، ينعم الإنسان .الوقت ( 108-109 ) .

5- عوائق من ساحة الدعاة ، وهي تتلخص في عدة نقاط :

1.   عدم معرفة تنظيم الوقت .

2.   الفوضى أثناء تنفيذ التكاليف المطلوبة .

3.   حب الدعة والراحة والجدل ، وبالأخص كثرة الأكل والنوم .

4.   المزاجية وسيطرة الهوى على النفس .

5.   فتور النفس وعدم استمرارها على الطاقة والإنتاج .

6.   ضعف الهمة .

7.   عدم الإحساس بأهمية الوقت .

8.   عدم التربية منذ الصغر بكيفية استغلال الوقت .

9.   ضعف النفس وميلها إلى اللهو ومجالس الفارغين .

10.   عدم مجالسة من يستغلون أوقاتهم استغلالاً حسناً . الوقت ( 109-110 ) .

وبعد معرفة هذه العوائق ، والعمل على تخطيها وعلاجها ، نبدأ الحديث على العوامل المساعدة على استغلال الوقت .

العوامل المساعدة على استغلال الوقت :

1. معرفة أهمية الوقت،إن الوقت هو الحياة ، ومن لم يعرف أهمية الوقت عاش ميتاً،وإن كان يتنفس على وجه الأرض،وهذا سرّ قول الكافرين عند سؤالهم{قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ* قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ} المؤمنون: 112-113. وهم في حقيقة الأمر ، منهم من عاش ستين سنة ، ومنهم ثمانين ومنهم مائة ، ولكنهم لم يعرفوا أهمية وقتهم ولم يستغلوه فيما ينفع ويفيد ، ولذلك لم يبارك الله في حياتهم ، فهم جاهلون بأمر الآخرة ، عالمون بأمر الدنيا ، كل وقتهم ضياع في ضياع ، وفي الحديث « إن الله يبغض كلَّ جعظري جواظ ، سخابٍ في الأسواق جيفة بالليل ، حمارٍ بالنهار ، عالمٍ بالدنيا ، جاهل بالآخرة » هق عن أبي هريرة مرفوعاً وهو صحيح . صحيح الجامع ( 1/382 برقم 1878 ) . قال ابن الجوزي :  ( العاقل من علم أن الدنيا لم تخلق للتنعيم فقنع بدفع الوقت على كل حال ) وقال أيضاً : ( ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته ، فلا يضيع منه لحظه من غير قربة ، ويُقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل ، ولتكن نيته في الخير قائمة ، من غير فتور بما يعجز عنه البدن من العمل ) صيد الخاطر « 50 » لأن" الزمن لا يقف محايداً ، فهو إما صديق ودود أو عدو لدود" . قاله الغزالي في خلق المسلم « 227 » الوقت « 75 – 76 » .

2. الزهد في الدنيا ، إن الدنيا إذا دخلت قلب ابن آدم وحبَّها ، وحبَّ شهواتِها وملذاتِها ، فإنه حتماً سوف يصرف وقته في نيل محبوباته الدنيوية ، وأوصى رجلٌ رجلاً فقال « دع الدنيا لأهلها ، وكن في الدنيا كالنحلة إن أكلت أكلت طيباً وإن أطعمت أطعمت طيباً وإن سقطت على شيء لم تكسره ولم تخدشه » ( الفوائد 214 ) ولا يعني ذلك أن يعتزل الرجل الناس ، بل إن الزهد هو كما قال الزهري : « ليس تشعيث اللمة ولا قشف الهيئة ، ولكن صرف النفس عن الشهوة » . إذ الإنسان إذا أطلق لنفسه العنان ، وأصبح دينه رياله،وامرأته قبلته ، وآلهته بطنه ، فإنه ليتحسر أشد التحسر على ضياع وقته بشهوة نفسه الوقت ( 76-77 ).

3. الخوف من الله ، لأن الخوف من الله يجعل الإنسان يلوذ إلى الله بالطاعات ، ونكتفي بأنموذج واحد ، يدل على أن الخوف من الله سبيل لصرف الوقت بما ينفع إيمان المستغل وقته ، قالت فاطمة بنت عبد الملك زوج عمر بن عبد العزيز ، تصف زوجها عمر « ما رأيت أحداً أكثر صلاةً ولا صياماً منه ، ولا أحداً أشد فرقاً من ربه منه ، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه ثم ينتبه فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه ، ولقد كان معي في الفراش ، فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينتفض العصفور من الماء ويجلس يبكي فأطرح عليه اللحاف » قاله ابن كثير البداية والنهاية ( 9/212 – 213 ) .

ولهذا يقول ابن السماك : خف الله كأنك لم تطعه * وارجُ الله كأنك لم تعصه . وفيات الأعيان ( 4/302 ) الوقت ( 79 – 81 )

4. تنمية الهمة العالية ، إنّ لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه ، فأشرف الناس نفساً وأعلاهم همة وأرفعهم قدراً ، من لذته في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقاءه ، والتردد إليه بما يحبه ويرضاه . قاله ابن القيم ، الفوائد ( 269 ) .

ولذا فإن "علامة صحة الإرادة أن يكون هم المريد رضا ربه واستعداده للقائه ، وحزنه على وقت مرَّ في غير مرضاته ". قاله ابن القيم ،الفوائد ( 214 ) .

وقديماً قيل :" إذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة ، وردفه قمر العزيمة ، أشرقت أرض القلب بنور ربها" . قاله ابن القيم، الفوائد ( 92 ) قال ابن الجوزي : ( من علامة كمال العقل ، علو الهمة والراضي بالدون دنيء ) صيد الخاطر ( 46 ) .

فإذا حرص المرء على تنمية همته بفعل الأمور المحمودة ، التي لا يفعلها إلا الإنسان الهمام فإن ذلك يدفعه دفعاً حثيثاً لاستغلال أوقاته ، قال ابن القيم ( العلم والعمل توأمان أمهما علو الهمة ) الفوائد "373 " الوقت " 83" .

5. معرفة أثر البطالة ، إن الصحة والفراغ والمال ، هي الباب الذي تلج منه الشهوات المستحكمة، ويتربع في فنائها الهوى الجامح ، فيأتي على صاحبه ، وقد صدق من قال : من الفراغ تكون الصبوة . فيض القدير( 6/288 ) وفي هذا المعنى ، يقول الشاعر : لقد هاج الفراغ عليه شغلاً * وأسبابه البلاء من الفراغ . فيض القدير ( 6/288 ) .

وصدق من قال : « الفراغ والصحة والمال ، ثالوث مدمر ، إذا لم يوجه التوجيه السليم » . الوقت ( 84 ) وكم كان أبو العتاهية موفقاً ، عندما سأله : سليمان بن أبي شيخ بقوله : أي شعر قلته أجود وأعجب إليك ؟ قال : قولي :

إن الشباب والفراغ والجدة * مفسدة للعقل أي مفسدة   . وقولي أيضاً

إن الشباب مجد التصابي   * روائع الجنة في الشباب

مجمع الحكم والأمثال ( 223 ) السوانح ( 19 ) .

وهكذا كان شعور عمر بن الخطاب ، حيث كان « يرى الرجل فيعجبه ، فيسأل عن عمله ، فإن لم يكن له عمل ، سقط من عينيه » فيض القدير 2/290

وقال عبد الله بن مسعود « إني لأمقت الرجل أره فارغاً ، لا في أمر الدنيا ، ولا في أمر الآخرة » حم في الزهد وطب وغيرهما وفيه ضعف. الزهد لوكيع ( 2/652 ) برقم ( 369 ) .

إن " البطالة هي أشر شيء في العالم" . هق عن ابن الزبير. فيض القدير ( 2/290 ) .

ويكفي أن تعلم أنَّ " الجهل والبطالة توأمان أهمها إيثار الكسل ". الفوائد ( 373 ) .

وصدق ابن القيم يوم أن قال « نزول همة الكُسَّاح دلاَّه في جب العذرة » الفوائد ( 90 ) .

فالبدار البدار ، عباد الله إلى حسن استغلال الأوقات ، قال r: « ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم ، لم يذكر الله عز وجل فيها » طب وهب . عن معاذ مرفوعاً وهو ضعيف، الترغيب ( 2/375 ) برقم ( 2222 ) صحيح الجامع ( 2/958 ) برقم ( 5446 ) .

ناهيك قوله تعالى : ﴿ أن تقول نفس .. ﴾ الوقت ( 84 – 86 )

6. تنويع البرامج التي تستغل ، فمن طبيعة الإنسان أنه إذا داوم على عمل معين ، ولفترة محدودة ، فإنه يمل من هذا العمل . الوقت ( 81 – 82 ) .

7. الدعاء ، وهو من أقوى الأسلحة التي يستخدمها المرء ، لملئ فراغ وقته وطلبه للعلم ، قال ابن الجوزي : « إذا وقعت في محنه يصعب الخلاص منها ، فليس لك إلاّ الدعاء » صيد الخاطر ( الوقت : 82 ) .

وبعد هذا ، يطيب لنا أن نذكر شيئاً مما يقضي به المرء وقته ، وهي :

1. الحركة الهادفة ، ولكم كانت رسل رسول الله r تسيح في البوادي ، تبلّغ الأعراب كلمة الإسلام وتبشّر به ، ولم يكن ثمة انتظار ورودهم إلى المدينة ، وفي الحديث « يا محمد أتانا رسولك ، فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك » م . عن أنس بن مالك مرفوعاً شرح مسلم ( 1/283 ) برقم ( 12 ) .

أتاهم رسول الله داعياً ، وكذلك الناس تؤتى ، ومن انتظر أن يأتيه الناس فليس بداعية» المنطلق ( 119 – 120 ) الوقت ( 29 – 30 ) .

2. المخالطة ، إذ الإنسان لابد له من خليل ، لابد له من صديق ، وقد أرشد النبي r إلى ذلك بقوله : « المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم » حم – ن عن ابن عمر مرفوعاً وهو صحيح ، صحيح الجامع ( 2/1129 ) برقم برقم ( 6651 ) .

وهذا ما أشار إليه طلحة القرشي بقوله « إن أقل العيب على المرء أن يجلس في داره » . طبقات ابن سعد ( 3/221 ) والدعاة إذا اعتزلوا الناس ، يكونوا قد اختاروا لأنفسهم أيسر السبل وأقلها مؤونة . ولكن العظمة الحقيقية أن نخالط هؤلاء الناس مشبعين بروح السماحة والعطف . قاله سيد قطب أفراح الروح ( 14 ) الوقت ( 1/30 – 31 ) .

3. حب المساعدة وقضاء الحاجات ، يقول r موجهاً البشرية على التحرك في قضاء الحاجة « أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس ، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله إلى مسلم أو يكشف عنه كربة ، أو يقضي عنه ديناً ، أو تطرد عنه جوعاً ، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحبَّ إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد – يعني مسجد المدينة – شهراً .. ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام .. » ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن بعض أصحاب النبي r ، وقيل عن ابن عمر – مرفوعاً وهو حسن. الصحيحة ( 2/608 برقم 906 )

ولهذا كان الليث بن سعد « يجلس للمسائل يغشاه الناس فيسألونه ، ويجلس لحوائج الناس لا يسأله أحد من الناس فيرده ، كبرت حاجته أو صغرت » وفيات الأعيان ( 4/131 )

هذا هو إسلامنا ، دين معايش للواقع ، لا دين نظريات ومثل .

قال r : « من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة .. » م . عن أبي هريرة مرفوعاً . شرح مسلم ( 17/24 ) برقم 2699 ( الوقت : 31 – 33 )

4. الحرص على ملازمة الصالحين العاملين ، فهؤلاء عندهم من الأنشطة والبرامج ، ما يحفظ به الشباب أوقاتهم من التيه والضياع ، قال r : « عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد ، ومن أراد بحبحة الجنة فعليه بالجماعة » ابن أبي عاصم عن ابن عمر مرفوعاً وهو صحيح. المسند ( 42 برقم 88 )

وقال علي بن أبي طالب : « كدر الجماعة خير من صفو الفرد » وقال الشافعي : « ليس لأحد إلاّ وله محب ومبغض ، فإذْ لا بد من ذلك ، فليكن المرء مع أهل طاعة الله عز وجل » بستان العارفين ( 42 ) الوقت ( 43 – 44 ) .

5. عمارة المسجد ، ومن فعل ذلك فهو دليل على أن قلب المعمّر له مفعم بالإيمان ، بتلاوة كتاب الله ومدارسته ، أو تعلم العلم فيه ، أو حضور حلقة من حلقات العلم فيه ، أو بأداء الصلوات الخمس جماعة فيه ، أو بالاعتكاف أو نحو ذلك ، وهكذا تُستغل الأوقات فيه .

قال عبد الباقي بن يوسف « قعودي في هذا المسجد ساعة أحب إليّ من أن أكون ملك العراقيين » طبقات الشافعية ( 3/219 ) .

وهاهو الأعمش بلغ من العمر سبعين سنة ولم تفته التكبيرة الأولى . وفيات الأعيان ( 2/401 ) ورحم الله البخاري ، يوم أن كان يُردد دائماً :

اغتنم في الفراغ فضل ركوع * فعسى أن يكون موتك بغته

كم صحيح رأيت من غير سقم * ذهبت نفسه الصحيحة فلته

طبقات الشافعية ( 2/15 ) الوقت ( 35 – 36 ) .

6. تلاوة القرآن الكريم ، إذْ هو الروح الذي يحرك الأمة ، وهو مصنع الرجال الذي يخرّج الأجيال المجاهدة ، فالداعية إذا شغل وقته بالجلوس مع كتاب الله ، كان حظه من الأجر والثواب عظيماً عند ربه .

قال r: « إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه » بخ .عن عثمان مرفوعاً الفتح ( 9/74 ) برقم ( 5028 ) .

وهذا ما فقهه عثمان بن عفان رضي الله عنه ، حيث قال : « وما أحب أن يأتي عليّ يوم ولا ليلة إلاّ أنظر في الله يعني القراءة في المصحف » حم في الزهد ( ص : 188 ) برقم ( 679 ) الوقت ( 37 ) .

7.      القراءة ، وإنها لمصرف عظيم ، ومن كبير أهميتها أن كان العلم قبل العمل{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ }محمد: ١٩  فاعلم أولاً ثم اعمل بما تعلم ، وقديماً قيل « العلم بلا عمل كالشجر بلا ثمر » . فتاوى ابن تيمية ( 2/13 ) وقد سئل أحمد عن رجل يكثر من كتابة الحديث وطلبه ، أيسوغ له ذلك : فقال « ينبغي أن يكثر العمل به على قدر زيادته في الطلب » المنطلق ( 37 – 38 ) .

وتتضح أهمية القراءة في استطاعة الإنسان ومقدرته على ردِّ الشبهات الباطلة ، وتفنيد الآراء الزائفة ، لأنه بذلك يملك قاعدة فكرية ، ومن فقد ذلك ، فقد عرّض نفسه إلى الضلال والضياع ، وقديماً قيل « الكتب غذاء النفوس » الأمثال في القرآن ( 90 ) .

ومن كثرت قراءته واطلاعه في الكتب المختلفة ، ينظر الناس إليه نظرة إكبار وتقدير ، قال أبو حنيفة وهو يتكلم عن شيخه حماد بن مسلم « ما مددت رجلي نحو داره وإن بيني وبينه سبع سكك » مع الرعيل الأول ( 62 ) .

إن القراءة المستمرة ، والنظر في بطون الكتب تعطي صاحبها القدرة على التحليل وإبداء الرأي السليم ، وإذا نقد فإنه ينقد بعين بصيرة .

جاء رجل إلى أبي حنيفة ، فبادره سائلاً « ما تقول في رجل لا يرجو الجنة ولا يخاف النار ، ولا يخاف الله تعالى ، ويأكل الميتة ، ويصلي بلا ركوع ولا سجود ، ويشهد بما لا يرى ، ويبغض الحق ، ويحب الفتنة ويفر عن الرحمة ، ويصدق اليهود والنصارى . فالتفت أبو حنيفة على أصحابه فقال لهم : ما تقولون ؟ فقالوا : إنها صفة كافر . فقال : بل هو من أولياء الله ، فهو يرجو رب الجنة ويخاف رب النار ، ولا يخاف الله تعالى أن يجور عليه ، ويأكل ميتة السمك ، ويصلي صلاة الجنازة أو على النبي r، ومعنى شهادته بما لا يرى أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله،ويبغض الحق وهو الموت ليطيع الله،ويحب الفتنة وهو المال والولد،ويفر عن الرحمة وهي المطر،ويصدق اليهود في{وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} البقرة: ١١٣  ويصدق النصارى في {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ}البقرة: ١١٣. الخيرات الحسان ( 63 ) .

ومن بالغ أهمية القراءة قول أحمد : « الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب ، لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين ، وحاجتة إلى العلم بعدد أنفاسه » تهذيب المدارج ( 2/770 ) .

وهو ابن المبارك يرسم خطاً للدعوة وللدعاة من بعده ، وهو التزود بالزاد الإيماني العلمي من خلال النظر في كتب الأقدمين ، وذلك لما افتقده بعض أصحابه من مجلسه ، فقيل له : مالك لا تجالسنا ، فقال « أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين » صيد الخاطر ( 211 ) . وصايا ونصائح لطالب العلم ( 55 ) .

وهذه نماذج ، فيها الحرص الشديد على القراءة وتعلم العلم ، فهذا مصعب الزبيري يقرأ كتباً قد بال عليها الفأر ، ويقول : كنتُ أقرأ ما استبان لي منها وأدع مالا أعرفه . تذكرة الحفاظ ( 1/217 ) وهذا أبو داود يحافظ على كتبه ، ويجعل لها من ثوبه كماً واسعاً يجعلها فيه كما روى عنه ابن دارسة بقوله « كان لأبي داود كم واسع وكم ضيق فقيل له في ذلك ، فقال : الواسع للكتب ، والآخر لا يحتاج إليه » تذكرة الحفاظ ( 2/592 ) .

ونقول للأزواج ، لا تضجروا من كثرة شكاية النساء لكم على كثرة قراءتكم ، فقد أكثر الزهري من القراءة ، فقالت له زوجته : « والله إن هذه الكتب أشدّ عليّ من ثلاث ضرائر » . شذرات الذهب ( 1/63 ) .

وهذا الجد ابن تيمية ، كان إذا دخل الخلاء ،يقول لبعد الرحمن بن تيمية « اقرأ في هذا الكتاب وارفع صوتك حتى أسمع»روضة المحبين ونزهة المشتاقين( 70 ) .

 

السبيل إلى محبة القراءة :

1.       النظر بالقلب ، فيجب التركيز على الصفحة التي يقرؤها ، مع تفريغ القلب ، قال ابن تيمية : « وكذلك من نظر إلى الأشياء بغير قلب ، أو استمع إلى كلمات أهل العلم بغير قلب ، فإنه لا يعقل شيئاً ، فمدار الأمر على القلب ، وعند هذا تستبين الحكمة من قوله تعالى ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ﴾ الفتاوى ..

2.                       العمل بما يقرأ ، لأنه السبيل إلى تثبيته في القلب والعقل ، وبالتالي سبب في حب العلم .

3.       قراءة ما تميل إليه النفس مع التدرج من فقه أو سيرة أو تفسير ، حتى إذا وطّن نفسه على حب القراءة وطلب العلم ، وواصل قراءته في فنٍ ما يختاره ، فهو لن يكل بإذن الله .

4.       التنويع بالقراءة ، وذلك مراعاة للنفس ، وتكميلاً للشخصية ، وقد أدرك يحيى بن خالد هذا فقال لابنه وهو يوصيه بتنويع القراءة « عليك بكل نوع من العلم ، فإن المرء عدو ما جهل ، وأنا أكره أن تكون عدو شيء من العلم .. » أدب الدنيا والدين ( 47 ) .

5.       معرفة همة علماء السلف ، وكيف كانوا يضحون من أجل الحصول على العلم ، يقول الرازي : « أول ما رحلت أقمت سبع سنين ، ومشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ ، ثم تركت العدد ، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشياً ، ثم إلى الرملة ماشياً ثم إلى طرسوس ولي عشرون سنة » . تذكرة الحفاظ ( 2/567 ) . وروى المعافى بن زكريا عن بعض الثقات ، أنه كان بحضرة أبي جعفر الطبري قبل موته ، وتوفي بعد ساعة أو أقل منها ، فذكر له دعاء ، فاستدعى محبرة وصحيفة فكتبه ، فقيل له : أفي هذا الحال ؟ فقال : « ينبغي للإنسان ألاّ يدع اقتباس العلم حتى الممات » . كنوز الأجداد ( 123 ) وكان عبد الرحمن بن أبي حاتم أحرص من أبيه على طلب الحديث ، حتى قال عن والده : « ربما كان يأكل وأقرأ عليه ، ويمشي ، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه ، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه » سير أعلام النبلاء ( 13/250 – 251 ) السوانح( 31 – 32 ) .

6.       اختيار الوقت المناسب ، وهو من أقوى الأسباب المعينة على حب القراءة وطلب العلم . قال أحد السلف : « أجود الأوقات للحفظ الأسحار ، وللبحث الأبكار ، وللكتابة وسط النهار ، وللمطالعة والمذاكرة الليل » بالإضافة إلى اختيار المكان الأنسب ، قال أحد السلف : « وأجود أماكن الحفظ ، الغرف ، وكل موضع بعيد عن الملهيات ، وليس بمحمودٍ الحفظ بحضرة البنات والخضرة والأنهار ، وقوارع الطرق وضجيج الأصوات ، لأنها تمنع من خلو القلب غالباً » تذكرة السامع والمتكلم ( 72 )

7.       الدعاء ، وهذا أولاً وأخيراً ، فهو عون المؤمن في مشاكله المادية وغيرها . قال ابن تيمية : « وكما أن لله ملائكة موكله بالسحاب والمطر فله ملائكة موكلة بالهدى والعلم ، هذا رزق القلوب وقوتها وهذا رزق الأجساد وقوتها » الفتاوى ( 4/41 ) الوقت ( 1/39 – 59 ) .

ونختم الحديث بقواعد عامة في قيمة الزمن ، فيها العوائق والعوامل والكيفية ، ينبغي على الإنسان أن يعيها ويفهمها حق فهمها .

 

قواعد في قيمة الزمن :

1- الزمن هو أجل وأشرف ما يحصّله العقلاء بإجماع العلماء .

يقول الحسن البصري : « أدركت أقواماً كل أحدهم أشح على عمره منه على درهمه » شرح السنة ( 14/225 ) .

يقول المناوي : « من أمضى يومه في غير حق قضاه ، أو فرض أداه ، أو مجد أثله ، أو حمد حصله ، أو خير أسسه ، أو علم اقتبسه ، فقد عق يومه وظلم نفسه » فيض القدير ( 6/288 ) .

ومن إدراكهم لذلك ، ما رواه الخطيب البغدادي « أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه : أتنشطون لتفسير القرآن . قالوا : كم يكون قدره ؟ فقال : ثلاثون ألف ورقة ، فقالوا : هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه ! فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة . ثم قال : هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا ؟ قالوا : كم قدره ؟ فذكر نحواً مما ذكره في التفسير ، فأجابوه بمثل ذلك . فقال : « إنا لله ، ماتت الهمم ! ، ثم أملاه على نحو قدر التفسير » تاريخ بغداد ( 2/163 – 164 ) .

ويقول أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي « إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري ، حتى إذا تعطّل لساني عن مذاكرة ومناظرة ، وبصري عن مطالعة ، أعملتُ فكري في حال راحتي وأنا مستطرح ، فلا أنهض إلاّ وقد خطر لي ما أسطره ، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنتُ أجده وأنا ابن عشرين » المنتظم ( 9/214 ) .

ويقول أيضاً : « وأنا أقصِّر بغاية جهدي أوقات أكلي ، حتى أختار سفَّ الكعك وتحسيه بالماء على الخبز ، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ توفراً على مطالعة ، أو تسطير فائدة لم أدركها » ذيل طبقات الحنابلة ( 1/177 ) .

وإنك لتجد ثمرة ذلك الاستغلال ، ما قاله عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي ، - على المنبر في آخر عمره - « كتبتُ بإصبعي هاتين ألفي مجلدة ، وتاب على يديّ مائة ألف ، وأسلم على يديّ عشرون ألف يهودي ونصراني » ذيل طبقات الحنابلة ( 1/410 ) .

ويقول أيضاً « ولو قلتُ : إني قد طالعتُ عشرين ألف مجلد كان أكثر ، وأنا بعد في الطلب » وعشرون ألف مجلد ، صفحات المجلد الواحد في المتوسط ( 300 ) ثلاثمائة صفحة ، فيكون مقدار ما قرأ ستة ملايين صفحة . صيد الخاطر ( 375 – 376 ) .

ويقول أيضاً مبيناً كراهية تضييع وقته في غير فائدة ، وأنه يعزّ عليه أن يترك من يطرق عليه بابه فلا يجلس معه « ثم أعددتُ أعمالاً لا تمنع من المحادثة ، لأوقات لقائهم لئلاً يمضي الزمان فارغاً .

فجعلت من الاستعداد للقائهم قطع الكاغد وبري الأقلام وحزم الدفاتر ، فإن هذه الأشياء لابد منها ولا تحتاج إلى فكرة وحضور قلب ، فأرصدتها لأوقات زيارتهم ، لئلا يضيع شيء من وقتي » صيد الخاطر ( 206 – 207 ) .

ومن عجب ما يُذكر عن ابن النفيس « أول من اكتشف الدورة الدموية الصغرى ، وأول من أشار إلى الحويصلات الرئوية والشرايين التاجية  وكان في العلاج أعظم من الحسين بن عبد الله الرئيس ابن سينا» أنه إذا أراد التصنيف ، توضع له الأقلام مبرية ، ويدير وجهه إلى الحائط ، ويأخذ في التصنيف إملاءً من خاطره ، ويكتب مثل السيل إذا انحدر ، فإذا كلَّ القلم وحفي ، رمى به وتناول غيره ، لئلا يضيع عليه الزمان في بري القلم .. . طبقات الشافعية ( 8/305 ) قال الوزير بن هبيرة :

والوقت أنفس ما عُنيت بحفظه * وأراه أسهل ما عليك يضيعُ

ذيل طبقات الحنابلة ( 1/281 ) السوانح ( 27 – 39 ) .

2- من شرف الزمان أن العاقل يحرص على اغتنامه إلى حال النزع والذَّماء – النَّفَس الأخير - : قالr« إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة ، فإن استطاع ألاّ يقوم حتى يغرسها فليغرسها » حم . عن أنس مرفوعاً وهو صحيح. الصحيحة ( 1/11 ) برقم ( 9 ) فلا يعيش لحظة بغير عمل .

وقال المناوي « إن كسرى خرج يوماً يتصيد فوجد شيخاً كبيراً ، يغرس شجر الزيتون ، فوقف عليه ، وقال له : يا هذا ، أنت شيخ هرم ، والزيتون لا يُثمر إلا بعد ثلاثين سنة فلِمَ تغرسه ! فقال : أيها الملك : زرع لنا من قبلنا فأكلنا ، فنحن نزرع لمن بعدنا فيأكل . فيض القدير ( 3/31 ) .

وقيل لابن المبارك : إلى متى تطلب العلم ؟ قال : حتى الممات إن شاء الله . جامع بيان العلم ( 1/96 ) .

ولهذا قال النبي r« منهومان لا يشبعان : منهوم في العلم لا يشبع منه ، ومنهوم في الدنيا لا يشبع منها » ك وصححه ووافقه الذهبي عن أنس مرفوعاً وهو صحيح المشكاة ( 1/86 ) برقم ( 260 ) السوانح ( 40 – 42 ) .

3- الاشتغال بالندم على الوقت الفائت تضييع للوقت الحاضر

يقول الحسن البصري : « ما من يوم ينشق فجره ، إلا وينادي : يا ابن آدم ، أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني ، فإني إذا مضيتُ لا أعود إلى يوم القيامة » السوانح ( 43 – 45 ) .

4 – التسويف عجز وكسل :

ما أعظم وصية ذلك الرجل ، لما قيل له : أوصنا ، فقال : احذروا « سوف » فإنّ يوم العاجزين غد .

وقال ابن الجوزي : « وإياك والتسويف ، فإنه أكبر جنود إبليس » صيد الخاطر ( 179 ) .

ومن ذا الذي يضمن غده ؟ وإن كان له غد ، أيا من معوقات نوازله ! السوانح ( 46 – 48 ) .

5- اعتقاد التفرغ من الشواغل في مستقبل الأيام : وهم وسراب .

وهذا ليس بصحيح ، أن المستقبل سوف يصفو من المكدَّرات والعوائق ، والوقع أنه : كلما كبرت سنك ، كبرت مسؤلياتك ، وزادت علاقاتك ، وضاقت أوقاتك ، ونقصت طاقاتك ، فالوقت في الكبر أضيق ، والجسم فيه أضعف ، والصحة فيه أقل ، والنشاط فيه أدنى، والواجبات أكثر من الأوقات ! فبادر ساعات العمر وهي سانحة ، واحذر الأماني والأحلام ، فإنها لا تصنع حاضراً ولا تبني مستقبلاً ، قال علي بن أبي طالب وهو يوصي ابن له « إياك والاتكال على المُنى ، فإنها بضائع النوكى » الحمقى .

وقال الأحنف بن قيس : « كثرة الأماني من غرور الشيطان » .

وقال الشاعر :

إذا تمنيت بت الليل مغتبطاً * إن المنى رأس أموالِ المفاليس

بهجة المجالس ( 1/125 ) .

وما شأن هذا الذي يرى أن التفرغ من الشواغل في مستقبل الأيام آتٍ ، إلا كشأن ذلك الرجل الذي قال للإمام ابن سيرين : إني رأيت في منامي أني أسبح في غير ماء ، وأطير بغير جناج ! فما تفسير هذه الرؤيا ؟ فقال له :

أنت رجل كثير الأماني والأحلام . السوانح ( 49 – 50 ) .

6- إنما تضيع الأزمان بصحبة البطالين

إنه لا أعدم لقيمة الزمن من مصاحبة أهل التبطل والتعطل ، فهم من أضيع الناس لزمن ، وأكثرهم تعطيلاً لعقل ، وأسوأ الناس لصاحب ، وأهدرهم لطاقة .

لا يعرف العمل سبيله إليهم ، ولا الجد محلاً فيهم ، ولا المعالي مكاناً في نفوسهم ، فحذار من مجالستهم والاختلاط بهم ، فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري .

إن صحبة هؤلاء العلماء ، تعلم منافسة الزمان ، وصحبة البطالين تعلم تضييع الزمان .

قال ابن مسعود : « اعتبروا الرجل بمن يصاحب ، فإنما يصاحب الرجل من هو مثله » هب .

ورحم الله ابن عقيل يوم أن قال : « .. فما خالطت لعاباً قط ، ولا عاشرت إلاّ أمثالي من طلبة العلم » المنتظم ( 9/213 ) السوانح ( 51 – 52 ) .

7- إنما تكمل العقول بترك الفضول

من عرف قيمة الزمان لا يكون إلاّ صاحب قصد واعتدال في أموره كلها ، فلا يرهق نفسه بما لا مصلحة له فيه .

يقول الحسن البصري : إياكم وكثرة الأشغال ، فإنه من فتح على نفسه باب شغل من الدنيا ، فتح الله عليه أكثر من ذلك » وكيع وابن المبارك في الزهد وهو ضعيف. الزهد لوكيع ( 2/643 ) برقم ( 361 ) .

ولا يتوسع في المطعم ، فهو يعلم أنه سبب للنوم ، والشبع يعمي القلب ويهزل البدن ويضعفه .

فتراه لا يتناول منه إلاّ حاجته التي تقيم صلبه ، ولذا قالr: « المؤمن يأكل في معىً واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء » بخ . عن ابن عمر مرفوعاً الفتح ( 9/536 ) برقم ( 5393 ) .

وما أعجب سهل بن عبد الله التستري ، لما أتاه الرجل وسأله ، فقال : الرجل يأكل في اليوم أكله ؟ قال : أكل الصديقين ، قيل له : فأكلتين ؟ قال : أكل المؤمنين ، قيل له : فثلاث أكلات ؟ فقال : قل لأهله يبنوا له معلفاً . الفوائد ( 315 ) وهو يدري أن الزينة مباحة ، بل هي مطلوبة ، ولكن المبالغة فيها ، ستكون على حساب الزمن ، ولذلك نجد النبيr يدعو إلى الاقتصاد في الزينة والاعتدال في التجمل ، وفي الحديث « إن رسول الله r كان ينهى عن كثير من الإرفاه ، قلنا : وما الإرفاه ؟ قال : الترجل كل يوم » ن واللفظ له وغيره عن عبد الله بن ... مرفوعاً وهو صحيح. الصحيحة ( 2/3 ) برقم ( 502 )

وهكذا هو في زيارته لا يتعدى مقصدها ، لحديث « من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه » ت . عن أبي هريرة مرفوعاً وهو حسن. الترغيب والترهيب ( 3/521 ) برقم ( 4247 ) .

وهو في قوله لا يتجاوز النافع الخير المحتاج إليه ، وفي الحديث : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )

بخ عن أبي هريرة مرفوعاً . "الفتح" (11/308) برقم (6475)

وهو في صلاته ودعائه يكون مقتصداً ، وقد قيل لابن عمر : لو دعوت لنا بدعوات ، فقال : "اللهم اهدنا وعافنا وارزقنا" فقال له رجل : لو زدتنا يا أبا عبد الرحمن ؟ فقال : أعوذ بالله من الإسهاب .

"بهجة المجالس" (1/60) ، فالتوسع في الدعاء من الفضول "السوانح" (53-56)

8- ترويح النفس بقدره ووجهه كسب الزمان ، والقلب إذا كلَّ عمي :

لقد كان من جملة هديه صلى الله عليه وسلم مؤانسته لصحبه ، وممازحته لإخوانه ، وقد قال الصحابة : يا رسول الله ، إنك تداعبنا ؟ قال : « إني لا أقول إلا حقا » ت عن أبي هريرة مرفوعاً وهو صحيح. "الصحيحة" (4/304) رقم (726) . وكذا كان مداعباً لأهله ، وفي الحديث : « أن عائشة كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، قالت : فسابقته فسبقته على رجليّ ، فلما حملتُ اللحم ، سابقته فسبقني ، فقال : هذه بتلك السبقة » د عن عائشة مرفوعا ، وهو صحيح (1/204) برقم (131) بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك حقيقة النفس البشرية ، فمكنها من حقها في الراحة والترويح بأضرب من اللهو المباح . قالت عائشة رضي الله عنها : « رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم» . بخ عن عائشة "الفتح" (1/549) رقم (454) وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : « إني لأستجمُّ لقلبي بالشيء من اللهو ، ليكون أقوى لي على الحق » الأدرعي . وقال ابن مسعود : « لا تُكره قلبك ، إن القلب إذا أُكره عمي » "جامع بيان العلم" (1/104) .

وإن الرياضة مصرف نافع ، فهي تحسّن الدورة الدموية ، وتزيد من نشاط الرئتين وتقوي القلب ، ولقد كان البخاري رياضيًّا ، وليس أي رياضي ، بل كان منافساً لغيره ، ومبدعاً في رياضة الرماية ، قال محمد بن أبي حاتم : « فما أعلم أني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمه الهدف إلا مرتين ، وكان لا يسبق » طبقات الشافعية ( 2/10 ) .

قال ابن القيم : وأي عضو كثرت رياضته قوي ، فمن استكثر من الحفظ قويت حافظته ، ومن استكثر من الفكر قويت قوته المفكرة ، ولكل عضو رياضة تخصه ، فللصدر القراءة ، ورياضة السمع بسمع الأصوات ، وكذلك رياضة اللسان في الكلام ، ورياضة النفوس بالتعلم والتأدب ، ولا ريب أن الصلاة نفسها فيها من حفظ صحة البدن ، وكذلك قيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة ، ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة ، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب . زاد المعاد ( 4/247 – 248 ) .

وكان ابن عباس رضي الله عنه « إذا كلّ من الكلام ، قال : هاتوا ديوان الشعراء » تذكرة السامع والمتكلم ( 79 )

ومن ذلك النقاش والمطارحة وقد قيل « مطارحة ساعة خير من تكرار شهر » تذكرة السامع والمتكلم ( 207 ) .

وقال الزهري : « إنما يُذهب العلم النسيان وترك المذاكرة » البداية والنهاية ( 9/359 ) .

وكل ذلك يجمعه قولهr« وإن لجسدك عليك حقاً » بخ . عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً. الفتح ( 4/217 ) برقم ( 1975 ) .

وهذا الترويح ، يكون بقدرٍ محكماً بالضوابط الشرعية ، وفي الحديث « .. ولكن يا حنظلة ، ساعة وساعة » م . عن حنظلة مرفوعاً شرح مسلم ( 17/71 ) برقم ( 2750 ) السوانح ( 57 – 59 ) الوقت ( 1/68 – 71 ، 81 – 82 ) .

9- دوام العطاء ولو كان قليلاً ، يكون منه ما يُعجز. السوانح ( 60 – 62 ) .

10- من شغل نفسه بغير المهم ، ضيّع المهم وفوّت الأهم :

قال أبو الفضل العباس بن الحسن « اعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء ، ففرغه للمهم ، وأنَّ مالك لا يغني الناس كلهم ، فخصّ به أهل الحق ، وأن كرامتك لا تطيق العامة ، فتوّج بها أهل الفضل ، وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجتك وإن دأبت فيهما فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك من ذلك .. » تاريخ بغداد ( 12/126 ) .

وأوصى المأمون بعض بنيه فقال : « اكتب أحسن ما تسمع ، واحفظ أحسن ما تكتب ، وحدِّث بأحسن ما تحفظ » تقييد العلم ( 141 ) السوانح ( 63 – 65 ) .

11- لكل وقت ما يملؤه من العمل ، فيحرص الإنسان على أعمار وقته كله بالطاعة من حين أن يستيقظ إلى أن ينام .

واعلم أنّ كل ظرف مملوء بواجبه ومطالبه ، فالعمل إذا كان في غير وقته الموضوع له ، لم يقع موقعه ولم يثمر ثمرته ، وجاء في وصية أبي بكر لعمر رضي الله عنهما حينما استخلفه ، قوله « إن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل ، ولله في الليل حق لا يقبله بالنهار » مناقب عمر ( 56 – 57 ) .

وإنّ مما يندى له الجبين ، أنْ ترى أمتنا ، دائماً أعمالها وقراراتها تأتي متأخرة عن أوقاتها الموضوعة لها ، ضائعة مضيِّعة ، ولا أريد بياناً ، فبلاغتنا في ذلك واضحة ! فوجب أن تكون أقوالنا وأعمالنا مؤقته ، كل في وقته ، حتى لا تجتمع أعمال أيام في يوم ، ومن هنا نضيع ونهيم .

وقال بعض أخوة عمر بن عبد العزيز لعمر : يا أمير المؤمنين ، لو ركبت وتروّحت ، قال : فمن يجزي عني عمل ذلك اليوم ؟ قال : تجزيه من الغد . قال : فدحني عمل يوم واحد ، فكيف إذا اجتمع عليّ عمل يومين » سيرة عمر بن عبد العزيز ( 55 ) السوانح ( 66 – 67 ) .

12- لله في أيام دهرنا نفحات ، فالموفَّق من تعرّض لها :

قال كعب الأحبار : « إن الله تبارك وتعالى اختار ساعات الليل والنهار ، فجعل منهن الصلوات المكتوبة ، واختار الأيام ، فجعل منها الجمعة ، واختار منها الشهور ، فجعل منها رمضان ، واختار الليالي ، فجعل منها ليلة القدر ، واختار البقاع فجعل منها المساجد » هناد بن السري الزهد ( 2/473 ) برقم ( 959 ) .

فاحرص على أن تلقى ربك ولو في جوف الليل الآخر وفي الحديث « ينزل الله تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر ، كل ليلة إلى السماء الدنيا ، فيقول : من يسألني فأعطيه ، من يدعوني فأستجيب له من يستغفرني فأغفر له » بخ . عن أبي هريرة مرفوعاً الفتح ( 3/29 ) برقم ( 1145 ) .

وفي يوم الجمعة نفحة ، الموفق من فاز بها ، وفي الحديث « التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد صلاة العصر إلى غيبوبة الشمس » ت . عن أنس مرفوعاً وهو حسن. وفي الآخر .. فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر . د – ن عن جابر مرفوعاً وهو صحيح. الترغيب ( 1/553 ) برقم ( 1039 ، 555 ) برقم ( 1043 ) .

وما أعظم يوم عرفة ، وفي الحديث « ... وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ، فيقول : انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثاً غبراً ضاحين ، جاؤوا من كل فج عميق ، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي ، فلم يُرَ يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة » . أبو يعلى والبزار عن جابر مرفوعاً وهو حسن. مسند أبي يعلى ( 4/69 ) برقم ( 2090 ) .

فاحرص على استغلال أوقاتك بهذه الساعات الفاضلات . السوانح ( 68 – 71 ) .

13- من طوى منازل في منازل أوشك أن يفوته ما جدَّ لأجله :

إنّ من أكبر أدواء المسلمين ، اليوم حركات وأفرادا ، علماء وقادة ، غياب سمة التوازن القائمة على مراعاة الأهم فالمهم ، فترى بروزاً في جانب ، وقصوراً في آخر ، ترى إقبالاً على علم ومعارف ، مع تفويت لغيرها يكون فيه رقي الأمة ، بل وجودها وكرامتها فيه .

فاجعل أوقاتك مُوزَّعة لكل مهمة ، ولكل صنعة ، ولكل علم .

قال أبو هريرة رضي الله عنه : « جزأت الليل ثلاثة أجزاء : ثلثاً أصلي ، وثلثاً أنام ، وثلثاً أذكر فيه حديث رسول الله r » الخطيب البغدادي. الجامع لأخلاق الراوي ( 2/319 – 320 ) .

بل إن نبينا محمد r  لما قال له أبو الدرداء تلك الحادثة التي جرت له مع سلمان ، وفيها : إن لربك عليك حقاً ، ولنفسك عليك حقاً ، ولأهلك عليك حقاً ، فأعط كل ذي حق حقه » قال : صدق سلمان » بخ عن أبي جحيفة مرفوعاً. الفتح ( 4/209 ) برقم ( 1968 ) .

بل وللإنسان أن يعمل ولو بأمور دنياه ، فهي معاشه وقوته ، وفي الحديث « كان معاذ بن جبل يؤم قومه فدخل حرام – بن ملحان – وهو يريد أن يسقي نخله ، فدخل المسجد ليصلي في القوم ، فلما رأى معاذاً طول في صلاته لحق بنخله يسقيه ، فلما قضى معاذ ، قيل له : إن حراماً دخل المسجد ، فلما رآك طوّلت تجوز في صلاته ولحق بنخله يسقيه . وعند السراج إني كنت أعمل في نخل لي ، وخفت عليه الماء – فقال : إنه منافق ! أيستعجل الصلاة من أجل سقي نخلة ؟ فجاء حرام إلى النبي r ومعاذ عنده ، فقال : يا نبي الله ! أردت أن أسقي نخلي ، فدخلت المسجد لأصلي مع القوم ، فلما طوّل تجوزت في صلاتي – وعند السراج فانصرف ، وهو دليل القطع ، والاستئناف من جديد – ولحقت بنخلي أسقيه ، فزعم أني منافق فأقبل نبي الله r  على معاذ ، فقال : أفاتن أنت ؟ لا تطوّل بهم ، اقرأ بهم سبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها ونحوها » السراج – حم عن أنس مرفوعاً وهو صحيح . الفتح ( 2/300 ) برقم ( 705 ) الإرواء ( 1/328 ) برقم ( 295 ) .

فالنص غني عن أي تعليق ، إن طالب العلم واجب عليه تقسيم زمانه ، زمن للحفظ ، وزمن للمطالعة وزمن للنسخ ، وزمن لراحة بدنه ، وزمن لأخذ حظه ، ولا ينبغي أن يقع الغبن بين الشركاء ، فإنه متى أخذ أحدهم فوق حقه أثرَّ الغبن وبان أثره ... ومن انحرف عن الجادة طالت طريقه . ومن طوى منازل في منازل أوشك أن يفوته ماجدَّ لأجله .. » . صيد الخاطر ( 189 – 190 ) السوانح ( 72 – 77 ) .

14- بقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى :

إن زماننا هذا ، زمن العجز ، وإن شئت فقل : زمن الدعة والرفاه وموت الهمم ، قصور في حياتنا العلمية والفكرية ، فمات الإبداع وغابت القمم .

ولقد أدرك سلفنا عظم الأمانة وضخامة التبعة، فضحوا من أجل رسالتهم ، وبذلوا في سبيلها النفس والنفيس ، فكان لهم ما أرادوا ، فهنيئاً لهم .

قال ابن القيم : « فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة ، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم ، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم ، وهو يمر أسرع من مرَّ السحاب ، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره ، وغير ذلك ليس محسوباً في حياته ، وإن عاش فيه عاش عيش البهائم ، فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة ، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة ، فموت هذا خير له من حياته » الجواب الكافي ( 163 ) السوانح ( 78 – 81 ) اهـ .

وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

1  -  الاسم : طالب العلم لا     من : بلاد الله الواسعة      تاريخ المشاركة : 8/3/1432 هـ
جزاك الله خيرا ونفعك لهذه الامة
2  -  الاسم : خولة عيادة لا     من : عرعر/      تاريخ المشاركة : 12/2/1433 هـ
الله يوفق اليوم تغيرت لى موازيين عدة وسوف اغير نظامى الذى قتل همتى

 

طباعة

7509  زائر

إرسال


كان يجيء فيدخل في فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها، فإذا علم أني نمت سلّ نفسه، ثم يقوم فيصلي، فقلت له: ارفق بنفسك. فقال: اسكن ويحك، يوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها زماناً. زوجة حسان بن أبي سنان [حلية الأولياء]
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 
  الصدق نجاة والكذب هلكة 

  نبذة عن شقراء 

عبائتي كمها ضيق فهل ألبسها؟   كيف يرقي الإنسان ويعوذ أولاده