اضفه للمفضله اخبر عنا اتصل بنا البث المباشر

التاريخ : 2/12/1428 هـ

بحوث ودراســات

الشيخ/ جماز بن عبدالرحمن الجماز

الموضوعية الإسلامية تجاه تقويم الأشخاص والأفكار والحوادث

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فإن التعامل مع الأشخاص، تقويماً ونقداً، مسلكاً من أخطر مسالك الانزلاق عن الموضوعية.

ومن هنا، نحن بحاجة إلى إرساء عدد من الضوابط والاحترازات والاستثناءات، حتى نتحلى بفضيلة الإنصاف؛ وسوف نستعرض أهم المفردات التي تجلت فيها موضوعية علماء المسلمين في الحكم على الأشخاص:

1- المسلمون يرون أنه لا يوجد إنسان هو خير محض، ولا إنسان هو شر محض، إلا من عصم الله، وتنسحب هذه النظرة على الجماعات والطوائف والملل، فمقادير الخيرات والكمالات تتفاوت بين ملة وأخرى، وكذلك درجات الشرور والنقائص تتفاوت بين أمة وأخرى.

يقول ابن تيمية: « ولا ريب أن في كثير من المسلمين من الظلم والجهل والبدع والفجور ما لا يعلمه إلا الله، لكن كل شر يكون في بعض المسلمين، فهو في غيرهم أكثر، وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعلى وأعظم»ا.هـ فالخير عند المسلمين أعظم، والشر أقل. وقال أيضاً: «وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار، فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفاراً....».

وهذه النظرات الرائعة، مستشفٌ كثير منها من مجريات سلوك الصحابة رضوان الله عليهم مع بعضهم بعضاً، فقد شهروا السيوف على بعضهم وجرى بينهم من القتال ما هو معروف، ومع هذا فإنه كان يوالي بعضهم بعضاً موالاة الدين، فيقبل بعضهم شهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم من بعض، ويتوارثون، ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين، وهذا كله نابع من النظرة التفصيلية التي أسسها الإسلام، ولعل من السوابق التاريخية في تأصيل هذه النظرة, الكلمات المشهورة عن عمرو بن العاص رضي الله عنه في وصف الروم، قال: «إن فيهم لخصالاً أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرّة بعد فرّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك» أخرجه مسلم.

2- مراعاة اختلاف أحوال بني البشر. نظر علماء المسلمين إلى الإنسان على أنه خطّاء تواب، فهو ساحة المعترك بين الحق والباطل، وأدركوا كثيراً من الظروف والملابسات التي تضعف من مقاومته لأهوائه وشهواته، ومن ثَمَّ فإنهم لم يأخذوا بكل قولٍ يُقال، مجرّداً عن ظروفه وسياقاته، وإنما حاولوا استبطان الأمور، والنفاذ إلى الدوافع الخافية، من أجل حكمٍ متوازن منصف. ونجد لهذا أمثلة كثيرة ثرة،

ومن ذلك: أن المرء قد يتكلم ببعض الكلام وهو غير مالك لقواه العقلية، ويكون في ذلك الكلام ما يؤخذ عليه، فيلتمس أهل العلم المعذرة له، لما غلب عليه من الضعف.

قال الذهبي في ترجمة صالح بن محمد جزرة: أُصيب بالحُمّى، فكان الأطباء يختلفون إليه، فلما أعياه الأمر أخذ بالعسل والشونيز (الحبة السوداء) فزادت حُمّاه، فدخلوا عليه وهو يرتعد ويقول: بأبي أنت يا رسول الله: ما كان أقل بصرك بالطب!

قال الذهبي معلِّقا: هذا مزاح لا يجوز مع سيد الخلقr، ولعل صالحاً قال هذه الكلمة من الهُجر –الهذيان- في حالة غلبة الرعدة، فما وعى ما يقول، أو لعله تاب منها؛ والله يعفوا عنه.

ومن هذا القبيل، إدراكهم لما تثيره الشحناء والعداوة بين الأقران والنظراء من ظلم بعضهم لبعض، وتضخيم بعضهم سيئات بعض، مع الإغضاء عن المناقب والحسنات، على قاعدة ذلك الشاعر الذي مدح فأطنب عند الرضا، فلماغضب هجا فأقذع، فلما سُئل عن ذلك قال: رضيت فقلتُ أحسن ما أعلم، وسَخِطت فقلتُ أسوأ ما أعلم.

ولهذا أمثلة كثيرة جداً. قال ابن حجر في ترجمة عبد الله بن ذكوان: أحد الأئمة الأثبات , وثقه الناس، ويقال: إنّ مالكاً كرهه، لأنه كان يعمل للسلطان. وقال ربيعة الرأي: إنه ليس بثقة. قلت: لم يلتفت الناس إلى ربيعة في ذلك، للعداوة التي كانت بينهما.

وقد يضعون أصبعهم على سبب الجفوة بين عالمين، فينصّون عليه، ويكشفون بذلك عن الزغل الذي دخل الحُكم ,على نحو ما ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة أحمد بن صالح المصري الطبري، من أن النسائي كان سيء الرأي فيه، لأن النسائي لما قدم مصر، أراد من أحمد أن يُحدِّثه، وكان من عادة أحمد ألا يُحدِّث إنساناً حتى يسأل عنه، وأن النسائي قد صحب قوماً من أهل الحديث لايرضاهم  أحمد، فأبى أن يُحدِّثه. فذهب النسائي، فجمع الأحاديث التي وهم فيها أحمد، وشرع يُشنّع عليه، وما ضره ذلك شيئا. وأحمد إمام ثقة.

معرفة مثل هذه الملابسات في حياة الرواة والعلماء، برأت أعراضاً كثيرة، وحمت منهج الاستدلال من هزّاتٍ كثيرة، يمكن أن تؤدى إلى الاضطراب والانحلال.

ومن هذا القبيل، اشتداد البخاري على أهل بخارى، بعد أن أخرجوه لفتوى أفتاها، فأخذ يبدي بعض التشدد عليهم، وهي نفثة مصدور، لا تقوم بها حجة.

وهكذا كثير من أئمة الجرح والتعديل، منهم من عُرِف بالتشدد، ومنهم من عُرف بالتوسط، ومنهم من عُرِف بالتساهل، وفائدة هذه التقسيمات والتصنيفات جليلة، فسكوت المتشدد عن رجل، فيه نوع من التزكيةله، وانفراد متشدد بالجرح عن الجماعة يُعزى إلى مقاييسه، ولا يضر كثيراً.

ومن التطبيقات لهذه النظرة الحصيفة،قول ابن حجر: النسائي، ـ مع تعنته ـ احتج بأحمد بن عيسى التستري المصري، وما نُقِل عن بعضهم أنه سُئل عن حديث لصالح المري؟ فقال: ما يُصنع بصالح! ذكروه عند حماد بن سلمة، فامتخط حمّاد.

وإدراكاً منهم، لاختلاف المقاييس والمعايير التي ينطلق منها الناس في تقويم الأشخاص والأفكار والأحداث، كان القول المرضي عند فئة من المحدثين: أن التعديل يُقبل مبهماً، لأن الأصل في المسلم العدالة، أما الجرح، فينبغي أن يكون مفسَّراً.

وخلاصة القول: إذا أراد شخص أن يحكم على غيره، فيجب أن يكون الدافع شرعياً، فيتقي الله عز وجل في نقده وألفاظه، ويُخلص النية لله، ويتجرّد عن الهوى وحظوظ النفس، ولا يتكلّم إلا بعلم وعدل وإنصاف، ويحسن الظن بأخيه، ويوازن بين المحاسن والمساوئ، ويجعل لكثرة الحسنات أو قوتها اعتبارها، ويتذكر أن الشخص الواحد غالباً ما يجتمع فيه أمران، فيُحمد ويحب بسبب أحدهما، ويُذم ويبغض بسبب الآخر، ثم تكون ألفاظه مُهذَّبة، يبتغي بذلك وجه الله تعالى.

وينبغي التفريق بين تقويم الرجال والحكم عليهم، والردَّ على المخالف، ففي حالة تقويم الرجال يجب الموازنة بين ما لهم وما عليهم، لا بد من ذكر المحاسن والمساوئ، ثم يُحكم بما تقتضيه الحال، إن غلبتْ المحاسن أثنى عليه خيراً، وإن غلبت المساوئ أثنى عليه شراً، أما في حالة الردّ على المخالف أو التحذير منه أو نصيحته، فلا يشترط الموازنة، ولا يشترط ذكر المحاسن، بل لا وجه لذكر المحاسن، بل ذكرها يوهن الرد ويشكك السامع أو القارئ في صحة الرد، لأن المراد ليس تقويمهم، وإنما الردّ عليهم بيان بدعتهم وانحرافهم أو خطئهم، ولكل مقام مقال.

هذه التفصيلات وغيرها كثير، في أحوال الناس، ليس لها مثيل عند أمة من الأمم، وهي تمثّل قمّة الموضوعية، ويحق لنا أن نفاخر بها حقاً، وكثير من مشكلاتنا اليوم يعود إلى أنّ كثيراً من تجريح الناس، يتم بإلقاء القول على عواهنه  ,دون أية ضوابط، أو إدراكٍ لشيء من الظروف الخاصة، وهذا ليس عند العامة، ولكن عند الخاصة وخاصة الخاصة! والله المستعان.

3- اللغة الكمية، تشكو معالجة القضايا الإنسانية كافة، من نسبية دلالة الألفاظ الواصفة لأحوالنا، وأحوال كل ما نتعامل معه من حولنا، واستخدام اللغة الكمية اليوم، يُمثّل مؤشراً هاماً من مؤشرات التقدم العلمي.

ومن هنا كانت محاولات المحدّثين في هذا الصدد، قفزة ذهنية، وحضارية متفردة، وذلك حين عمدوا إلى تحديد معاني الألفاظ الدالة على الجرح والتعديل وترتيبها، وما فعلوه، كان أقصى ممكن في حول البشر، وإليك تلخيصاً لما ذكره الحافظ ابن حجر في مقدمة تقريب التهذيب، حول تلك التحديدات، وقد جعلها في اثنتي عشرة مرتبة:

1- الصحابة.

2- من أكّد مدحه كأوثق الناس، ثقة ثقة، ثقة حافظ.

3- من أفرد بصفة، ثقة، ثبت.

4- من قَصُر عن ذلك كـ صدوق، لا بأس به.

5- من كان دون من قبله، صدوق سيء الحفظ، له أوهام، تغير بأخره، ومنه من رمي ببدعة كالتشيع والقدر.

6- من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت ما يُترك حديثه من أجله، كـ مقبول.

7- من روى عنه أكثر من واحد، ولم يوثّق كـ مستور الحال، ومجهول الحال.

8- من لم يوجد فيه توثيق معتبر، وجاء فيه تضعيف، وإن لم يُبيّن، كـ ضعيف.

9- من لم يرو عنه غير واحد، ولم يوثّق، كـ مجهول.

10- من لم يُوثّق ألبتة، وضُعّف بقادح، كـ متروك، واهي الحديث.

11- من اتُّهم بالكذب، كـ متهم، أو متهم بالكذب.

12- من أطلق عليه اسم الكذب، أو الوضع، كـ كذاب، وضاع.

هذه التحديدات لم تعقد لها المؤتمرات، ولا وقع عليها الإجماع، ولذا، فإن نوعاً من التفاوت في استعمال هذه الألفاظ، قد يقع عندهم، فهذا الذي ذكرناه تقريبي.

وقد بيّن أحمد شاكر، انعكاس هذه الألقاب على قبول الحديث وردِّه، فما كان من الدرجة الثانية والثالثة، فحديثه صحيح من الدرجة الأولى، وما كان من الدرجة الرابعة، فحديثه صحيح من الدرجة الثانية، وما كان من الخامسة والسادسة، فإنه يتقوى بتعدد الطرق ويكون حسناً. وما كان من السابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة، فضعيف، على اختلاف درجاته.

4- الإنصاف. لعل من أشد ما نحتاجه اليوم في التعامل مع بعضنا بعضاً، خُلق الإنصاف، مهتدين بقول الله تعالى: {وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}[الأعراف: 85].وإن ما يميز أهل الحق عن أهل الأهواء، أن أهل الحق يروون، ويكتبون، ويعرضون ما لهم وما عليهم، ما يوافق رغباتهم، وما يخالفها، أداء للأمانة، ولعرض الصورة الكاملة عن الحقائق أمام الناس وهذا ما قاله عبد الرحمن بن مهدي، حين ذكر أن أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء، لا يكتبون إلا ما لهم. وهكذا إذا أردنا تقويم رجل أو امرأة، وجب أن يُشار إلى الصفتين معاً، كما مرّ معنا- فيقال: شاعر مُلحِد، عدو عاقل، إنصافاً له أولاً، ومحافظة على رؤية متوازنة للأمور ثانياً، وحرصاً على تكوين مزاج صحيح للأمة ثالثاً، وابقاء على هامش للتفاعل معه رابعاً، وهذا ما مضى عليه الراشدون من سلف هذه الأمة، إلى أن تفشّت الأوبئة الخلقية، والعور الفكري، وعمى الألوان، وتحولت الأمة الواحدة إلى الأحزاب، وكل حزب بما لديهم فرحون، وإليك أخي الكريم، طرفاً من إنصاف علماء المسلمين، لمن ترجموا لهم، أو تحدّثوا عنهم.

ومن ذلك ما ذكره إسماعيل بن قيس، قال: شهدت جنازة فيها الأشعث وجرير، فتقدم الأشعث بن قيس جريراً، وقال: إنّ هذا لم يرتد، وإني ارتددت ,وهذا واحد منهم ينتصف من نفسه بالرجوع عن الخطأ، كما قال الذهبي: «ذكرت في تاريخي الكبير، أن سلمان الفارسي عاش 250 (مائتين وخمسون) سنة، وأنا الساعة لا أرتضي ذلك، ولا أصحّحه» وآخر يعترف لبعض طلابه، بأنه أعلم منه في بعض العلوم، كما نُقِل عن الإمام الشافعي أنه قال لتلميذه الإمام أحمد بن حنبل: أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا، فإذا كان خبر صحيح، فأعلمني حتى أذهب إليه، كوفياً كان أو بصرياً أو شامياً.

ومن الإنصاف، تلك المواقف الشجاعة التي ينقد فيها المرء أخص أقربائه، مع ما يثيره ذلك من حزازات وشقاقات داخل الأسرة الواحدة، فقد قال الذهبي في ابنه، أبي هريرة: إنه حفظ القرآن، ثم تشاغل عنه، فنسيه. وسُئِل علي بن المديني عن أبيه، فقال:«اسألوا غيري، فقالوا: سألناك، فأطرق، ثم رفع رأسه، وقال: هذا هو الدين، أبي ضعيف. وقال أبو داود السجستاني «ابني عبد الله كذاب».

لكن كل نقد يتطامن ,أمام ما فعله أبو عبيدة بن الجراحt، من قتله أباه يوم بدر، حيث كان في صفوف المشركين. ومن أجلّ مضاهر الإنصاف، انصاف الخصوم، وذلك بذكر محامدهم ومناقبهم، ويظهر ذلك جلياً في رواية المبتدعة، ويرى الحافظ ابن حجر أن "التحقيق أنه لا يُردُّ كل مُكّفِر ببدعته، لأن كل طائفة تدّعي أن مخالفتها مبتدعة، وقد تُبالغ فتكُفرّه. فلو أُخذ ذلك على الإطلاق، لاستلزم تكفير جميع الطوائف. والمعتمد أن الذي تُردّ روايته، من أنكر أمراً متواتراً من الشرع، معلوماً من الدين بالضرورة، أو اعتقد عسكه، وأما من لم يكن كذلك، وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله". وهذا من أهل الحق، غاية الإنصاف للخصوم.

ومن ذلك أيضاً أن الشيخين البخاري ومسلماً، رويا عن العشرات من أهل الأهواء والبدع، كالخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية وغيرهم، وأشار السيوطي إلى أنه يوجد في الصحيحين واحد وثمانون «81» رجلاً، اتُهموا ببدع مختلفة، ولهذا قال الذهبي في بيان شرط البخاري – أمير المؤمنين في الحديث – «فإنه يتجنب الرافضة كثيراً، كأنه يخاف من تدينهم بالتقية، ولا نراه يتجنب القدرية ولا الخوارج ولا الجهمية، فإنهم على بدعهم يلزمون الصدق».

وحين سُئل يحيى بن معين – إمام الجرح والتعديل – عن سعيد بن خيثم الهلالي، قال: «شيخ كوفي، ليس به بأس، ثقة» فقال رجل ليحيى: شيعي! قال: «وشيعي ثقة، وقدري ثقة».

وكان ابن خزيمة يقول: «حدثنا عبّاد بن يعقوب: المتهم في رأيه، الثقة في حديثه».

وقال ابن قتيبة في بشر المريسي: «كافر» علّق الذهبي، فقال: «هو بشر الشر، كما أن بشراً الحافي بشر الخير، ومن كُفِّر ببدعة وإن جلّت، ليس هو مثل الكافر الأصلي، ولا اليهودي، ولا المجوسي، أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وصام وصلى وحج وزكى، وإن ارتكب العظائم وضلّ وابتدع، كمن عاند الرسول وعَبَد الوثن ونَبَذ الشرائع وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها».

وعن يحيى بن معين، قال: «يقدم عليكم رجل من أهل الكوفة، يقال له: عبد الرحمن بن صالح ثقة، صدوق، شيعي، لأن يخر من السماء، أحبَّ إليه من أن يكذب في حرف». وكان عبد الرحمن هذا يغشى، مجلس أحمد بن حنبل، فيقربه ويدنيه، فقيل له في ذلك، فقال: سبحان الله، رجل أحبَّ قوماً من أهل بيت النبيr، نقول له: لا تحبهم! هو ثقة. وترجم الذهبي لصدقة بن الحسين، فقال: العلامة الفرضي المتكلم، المتهم في دينه. وترجمته لابن الكلبي: العلامة الأخباري النسّابة، الأوحد، أبو المنذر، ابن الأخباري الباهر، محمد بن السائب بن بشر الكلبي الكوفي الشيعي. أحد المتروكين، كأبيه. والحديث في سرد أخبار العلماء في مثل هذا المقام يطول. وقد قال الإمام الطبري: «لو كان كل من ادّعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة، ثبت عليه ما ادُعي به، وسقطت عدالته، وبطلت شهادته بذلك، للزم ترك أكثر محدثي الأمصار، لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يُرغب به عنه» وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «.... والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق، وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا، إذا قال يهودي أو نصراني –فضلاً عن الرافضي– قولاً فيه حق أن نتركه، أو نردَّه كله، بل لا نردّ إلا ما فيه من الباطل، دون ما فيه من الحق».

ومن جميل ما سطّره يراع الحافظ الذهبي، قوله: «غلاة المعتزلة، وغلاة الشيعة، وغلاة الحنابلة، وغلاة الأشاعرة، وغلاة المرجئة، وغلاة الجهمية، وغلاة الكرامية، قد ماجت بهم الدنيا وكثروا، وفيهم أذكياء وعبّاد وعلماء. نسأل الله العفو والمغفرة لأهل التوحيد، ونبرأ إلى الله من الهوى والبدع، ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الأتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن».

وما ذكرناه ليس مقصوراً على أهل الأهواء والبدع، وإنما اتخذوا ذلك منهجاً عاماً، سواءً أكان ذلك في الثقات أو الضعفاء والمجروحين، وسواء أكان ذلك في رجالات الحديث أو رجالات الفقه أو الشخصيات العامة، ومن ذلك ما ذكره ابن حجر. قال: «قد تعصّب مغلطاي للواقدي، فنقل كلام من قوّاه ووثقه، وسكت عن ذكر من وهاه واتهمه» وقال الذهبي: «باديس بن حبوس الصنهاجي، من قوّاد البربر، له شرف وأبوة وعشيرة، تملك غرناطة وجيّش الجيوش، وحارب المعتصم صاحب المرية، وكان سفاكاً للدماء، فيه عدل بجهل».

ومن جملة مظاهر الإنصاف: عدم اعتدادهم بكل قول يقال، فقد يكون القائل مغرضاً أو جاهلاً أو متعنتاً، أو هو قلّد من هو كذلك، وقد يكون القائل غير مؤهل لإصدار الأحكام فيما جرّح، وقد يكون طعنه فيه غير معلّل، والمطعون فيه موثّق.

ونجد لذلك كله نماذج فيما أجمله ابن حجر من الدفع عن بعض من تُكلِّم فيه من رجال البخاري ومسلم، حيث كان مما ذكره قوله:

أبان بن يزيد العطّار: نقل الكديمي تضعيفه، والكديمي واهٍ.

إبراهيم بن سويد بن حيان: تكلّم فيه ابن حبان بلا حجة.

إبراهيم بن المنذر الحراني: تكلم فيه أحمد، لدخوله على ابن أبي دؤاد.....

بشر بن نهيك: تعنّت أبو حاتم في قوله: لا يحتج به.

ثابت بن عجلان: ذكره العقيلي بلا موجب للقدح...

ربيعة بن عبد الرحمن: تُكلِّم فيه، بسبب الإفتاء بالرأي.

حميد الطويل: تركه ابن زائدة لدخوله في شيء من عمل السلطان....

محمد بن القاسم: لم يعرفه ابن المديني، وعرفه غيره.

مبشر بن قانع: ضعّفه ابن قانع، وهو أضعف منه.

ومن إنصافهم: التفضيل في جوانب المعرفة لدى أهل العلم، فقد يكون المرء بارعاً في علم من العلوم، لكنه مقصّر في علم آخر أو يكون غير ثبت فيما أخذه عن بعض شيوخه، ويكون حجة فيما أخذه عن شيخ آخر.

فمن ذلك,ماجاء عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن , قال "إن من إخواننا من نرجو بركة دعائه، ولو شهد عندنا بشهادة ما قبلناها».

وعن أبي الزناد، قال: «أدركت بالمدينة مائة، كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله».

وقال ابن المبارك: «ما أدري فيمن رأيتُ، أفضل من عباد بن كثير، في ضروب من الخير، فإذا جاء الحديث فليس بشيء».

وقال أبو أسامة: «قد يكون الرجل كثير الصلاة، كثير الصوم، ورعاً، جائز الشهادة، في الحديث لا يسوى ذه، ورفع شيئاً ورمى به».

وقال وكيع بن الجراح في حديث رواه وهب بن إسماعيل: «ذلك رجل صالح، وللحديث رجال».

ومن ذلك أيضاً: ما جاء في ترجمة نعيم بن حماد المروزي، قال الذهبي: «نعيم من كبار أوعية العلم، لكنه لا تركن النفس إلى رواياته، وقال ابن حجر: «صدوق يخطئ كثيراً، فقيه عارف بالفرائض».

وما جاء في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، قال أحمد: «كان سيء الحفظ، مضطرب الحديث، وكان فقهه أحبَّ إلينا من حديثه. وقال الذهبي: «كان نظيراً للإمام أبي حنيفة في الفقه» وقال ابن حجر: «صدوق سيء الحفظ جداً».

وما جاء في ترجمة حفص بن سليمان الأسدي، قال الذهبي: «كان ثبتاً في القراءة، واهياً في الحديث، وإلاّ فهو في نفسه صادق».

وقال ابن حجر: «متروك الحديث، مع إمامته في القراءة».

وما أجمل ما قاله عبد الرحمن بن مهدي: «الناس على وجوه: فمنهم من هو إمام في السنة، إمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث ليس بإمام في السنة».

ومن هذا الضرب ما قاله ابن نُمير: «كان أبو معاوية الضرير لا يضبط شيئاً من حديثه، ضبطُه حديث الأعمش، وكان يضطرب في غيره اضطراباً شديداً» وغير ذلك كثير.

وهذا في الحقيقة يساعدنا على تصحيح النظرة إلى الأمور، فلا نسأل عالماً عن كل شيء فنحرجه، أو نأخذ عنه علماً يشوبه الغلط والقصور. إن هذه التجليات الموضوعية التي سقناها تجاه التعامل مع الأشخاص، هي وليدة التعاليم الإسلامية في هذا المجال، وما وجد في حياتنا قديماً وحديثاً مما يخالف ما عرضناه، هو قعود عن مسايرة المنهج، أو انحراف عنه، وكلما تجذّر المسلم في فهم دينه، وجد نفسه مغموراً بالموضوعية دون دراية منه.

«فصول في التفكير الموضوعي» لعبد الكريم بكار ص (117-137).

«منهج أهل السنة والجماعة في تقويم الرجال ومؤلفاتهم» لأحمد الصويان ص (7-9 ,96/104، 106-108، 110/97-101).

«منهج أهل السنة والجماعة في النقد والحكم على الآخرين» لهشام الصيني ص (43).

«شرح مسلم للنووي» (18/239 رقم: 2898).

أيه الإخوة الأحباب: وبعد ذلك الاستعراض السريع للموضوعية في تقويم الأشخاص.

نستعرض الآن موضوعيتهم حيال الأفكار والأحداث.

وإن التعامل مع الأفكار قبولاً ورداً، لن يكون سهلاً، لأنه ينبني بالدرجة الأولى على ما لدى الأمة من وعي بمنظوماتها العقدية والفكرية والشعورية والرمزية، أي على مدى وعيها بذاتها الاعتبارية، وهذا الوعي شامل للمبادئ والتعاليم والأشكال والمضامين والإجراءات والمقاصد. وبما أن وعي الأمة متفاوت طبعاً بهذه الجوانب، فإن مواقفها سوف تظل باستمرار في حالة اضطراب إزاء كل جديد.

ومن الطبيعي أن تكون الموضوعية تجاه الأفكار لدينا ليست مطلقة نؤصلها كيف شئنا، وإنما نستمدّ كثيراً منها من الوحي المتمثل في الكتاب والسنة. ولذا كانت مهمة المفكرين المسلمين: إبراز عناصر الموضوعية في حقول الأفكار، وهدم كل أنواع الغلو والانحراف والتأويلات الفاسدة، وأشكال التمييع التي تنحرف بثقافة الأمة عن مسارها المرسوم. وانطلاقاً من هذا، سوف نجول بالنظر والحديث عن أهم نقطتين تجلّت فيهما موضوعية علماء المسلمين تجاه الأفكار، وهما: الواقعية والوسطية.

1- الواقعية: تمثّل الواقعية ركيزة هامة من ركائز الموضوعية، بل قد يكون الموقف الموضوعي لا يتطلّب أكثر من الوعي بالواقع، وإنّ من الخطورة بمكان أن يكون الناس واقعيين دون مُثُل تحدو بهم للانطلاق من الواقع بكل اشكالاته وضروراته، كما أن من الخطورة أيضاً أن يعيش الناس غارقين في الأحلام، لاهين عن المشكلات التي تحيط بهم، لا توقظهم إلاّ الصدمات، وبعد فوات الأوان!

ومن مظاهر الواقعية التي سوف نتحدث عنها:

أ- الانشغال بالواقع.

ب- تقدير العوارض والطوارئ في حياة البشر.

أ- الانشغال بالواقع، جاء الإسلام من أجل إصلاح الواقع، وحل مشكلات الناس، وكانت البداية أن القرآن الكريم نزل منجّماً مواكباً لحال الأمة والدعوة خطوة خطوة، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ....} [المائدة:101] وذلك حتى لا تتضخم المعارف على حساب الفعل، وحتى لا يقع الخلاف في مسائل لا رأي فيها للواقع المُعاش، فتصير الأمة إلى الجدل والمراء وتَفرق الكلمة.

واستجابة كذلك، قال عمر رضي الله عنه: «أحرّج عليكم أن تسألونا عما لم يكن، فإنّ لنا فيما كان شُغْلاً» وكان زيد بن ثابت إذا سُئل عن شيء يقول: كان هذا؟ فإن قالوا: لا. قال: دعوه حتى يكون. وسُئل أحمد بن حنبل عن مسألة، فقال: وقعت هذه المسألة، بليتم بها بعد؟!! هذا هو حال الأمم في أزمنة النهوض. وكذلك نريد.

أما في حالات الركود والانحطاط، فإن قسماً من الأمة يكون مشدوداً إلى الماضي دون أن يفيد منه شيئاً في واقعه، وقسماً يتجاوز الماضي والحاضر إلى مستقبل لا يملك من عتاده سوى الأحلام الوردية، وهذا ما لا نريد!!

ب- تقدير العوارض والطوارئ في حياة البشر. إن مهمة الفقه الإسلامي رسم المسارات السلوكية لتعامل الناس مع خالقهم سبحانه، ومع بعضهم بعضاً، ومع الطبيعة من حولهم. وقد تجلّت أفكار وقواعد كثيرة في الفقه الإسلامي، بغية معالجة ما يقع في حياة الناس من الحوادث والحالات، فالضرورات وحالات النسيان والجهل والخطأ والإكراه وعموم البلوى وتغيّر الأعراف ودفع ما أمكن من المفاسد وارتكاب أخف الأضرار.

كل أولئك من المحاور الهامة التي ظهرت فيها واقعية التفكير الإسلامي، والتمامه بحياة الناس ومعاناتهم وهواجسهم ,

فمن القواعد التي تحكم حالات الاضطرار، قولهم: «الضرورات تبيح المحظورات» وقولهم: «المشقة تجلب التيسير».

وقد فرعوا على هاتين القاعدتين ,عدداً كبيراً من الأحكام والقواعد الفرعية التي تدفع المشقة.

ومن تلك الأحكام: جواز فسخ عقد الإجارة بعذر السفر، وتأخير إقامة الحد على المريض إلى أن يبرأ، ما عدا حدّ الرجم، وجواز أكل مال الغير لدفع خطر الموت عن نفسه.

وحتى لا يتمادى المكلّفون في استخدام الضرورات، وضع الفقهاء ضوابط، وهي: «الضرورات تقدّر بقدرها» فإذا كانت الضرورة تُبيح أكل مال الغير لدفع الهلاك عن النفس، فإن ما يحل منه هو ما يؤدي إلى حفظ النفس، وإذا كان يحل للطبيب النظر إلى ما لا يحل كشفه من العورات، فإنّ ذلك مقيّد بما تدعو إليه الحاجة.

أما الخطأ والنسيان: فإن موقف علماء المسلمين منهما كان هو الآخر موضوعياً، وتبعاً لتوجيه الشارع، قرّروا سقوط الإثم عن المخطئ والناسي، ويترتب على سقوط الإثم سقوط الجزاء الأخروي أيضاً.

أما ما يترتب على ذلك الخطأ والنسيان من خلل في العبادات أو إضرار بالآخرين، فإن هناك تفصيلات أيضاً تُعدّ غاية في الموضوعية، فحقوق العباد مبنية على المشاحة، فلا بد من تعويض من تضرّر نتيجة الخطأ والنسيان، أما حقوق الله تعالى: فما أمكن تداركه منها وجب استدراكه، وما لم يمكن سقط.

ومما تجلّت فيه واقعية علماء المسلمين، ما يسمّونه: «العذر بالجهل» ومن الضوابط التي ذكرها الفقهاء في هذه المسألة:

* لا يُعذر بالجهل بأصل من أصول الدين، كوحدانية الله تعالى ونبوة محمدr، والوحي بالقرآن، ولا يُعذر من جَهل أركان الإسلام الأساسية، كالصلاة والصوم والزكاة.

* لا يُعذر المسلم بجهل المحرمات الأساسية المشهورة: كقتل النفس والزنا وشرب الخمر والسرقة وأكل أموال الناس بالباطل. وهذه كلها يُعبّر عنها بـ«المعلوم من الدين بالضرورة» حيث يتناقل العامل جيلاً بعد جيل العلم بما ذكرناه، حتى الذين لم يجالسوا عالماً، ولم يقرؤوا كتاباً.

* يُعذر من كان حديث عهد بإسلام، حيث إن خبرته السابقة كانت مستمدة من أعراف غير إسلامية، فإذا ما ارتكب شيئاً من المحرمات عُذِر بالجهل بها،وأمر بتعلّم ما يقيم به دينه، كما يُعذر بالجهل من نشأ في بادية بعيداً عن العلم والعلماء، وكأولئك الذين في الأدغال والغابات، وأولئك الذين يعيشون في دار الحرب ولم تكن تعاليم الإسلام ناشئة فيهم.

* يُعدّ الجهل عذراً في المسائل الدقيقة التي لا تشيع في صفوف العامة، وإنما يتناقلها العلماء بينهم، ففي تكليف العوام بتعلّمها مشقة عظيمة عليهم. هذه بعض الضوابط.

وإن وضع معرفة أكثرية الناس بأمر من الأمور، معياراً للإعذار والمؤاخذة، يُعدّ في الحقيقة قمة في مراعاة الواقع، وعلى أولي الأمر وعلماء الأمة أن يبثوا المعارف والعلوم الضرورية في الناس، وعلى مقدار العلم يكون حجم المسؤولية والمؤاخذة.

ومما تجلّت فيه الواقعية في الفكر الإسلامي واجتهادات علماء المسلمين: قضية اعتبار الأعراف والعادات السارية بين المسلمين، ومن القواعد التي يتجسّد فيها ذلك قولهم: «العادة محكّمة» و«استعمال الناس حجة يجب العمل بها» و«الممتنع عادة كالممتنع حقيقة» و«لا يُنكر تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان» وفرّع أهل العلم مسائل كثيرة على ذلك.

منها: أن الإنسان إذا حلف ألا يأكل رأساً، أو لا يجلس على بساط، فإنه لا يأثم بأكل رأس عصفور، أو الجلوس على الأرض، لأن العرف خصّ الرأس بما يباع للأكل في الأسواق، والبساط بالمنسوج المعروف الذي يُفرش ويُجلس عليه.

ومن ذلك: الاعتماد على العرف في أشياء جرى بها التسامح بين الناس، حيث ذهب الفقهاء جميعاً إلى جواز دخول الحمّام من غير تعيين مدة المكث، وكمية الماء المستهلك، وتقدير الأجرة، وذلك لجري العادة بالتسامح في مثلها.

وكذلك الاستمداد من محبرة زميله دون إذنه.

واستجابة لما حدث في حياة الناس من هبوط في مستويات العدالة والالتزام، أجاز كثير من الفقهاء قبول شهادة الأمثل فالأمثل، والأقل فجوراً فالأقل، حتى لا تضيع مصالح الناس وتتعطّل الحقوق.

ومن صور الواقعية: الاحتكام إلى الذوق العام في بعض المسائل، كما في محددات المروءة ونواقضها، فما يكون إخلالاً بالمروءة بالنسبة لبعض الناس لا يكون كذلك بالنسبة لآخرين، والذي يُحدّد ذلك هو الذوق العام.

ويجدر التنبيه إلى أن الاعتماد على العرف ليس مطلقاً دون قيد أو شرط، كما يحلو لبعض الكتّاب اليوم، حيث يحاولون إتّخاذ هذا المبدأ الذي نحن بصدده ذريعة لتبخير النصوص، وجعل الناس حكّاماً على الشريعة، بدل أن تكون حاكمة عليهم!

وقد كان العلماء الذين تحدّثوا في قضايا تغيّر الفتوى والعرف واضحين تمام الوضوح، حتى شرطوا في العرف المؤثر: ألا يكون مغايراً لما عليه أهل الدين والعقل المستقيم، ولا منكراً في نظرهم، وكذلك ألا يكون هناك نصّ يُخالف العرف، فإذا وُجِد نصّ فإن العرف باطل غير ذي قيمة.

وما ذكرناه ليس كل ما في الباب، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.

2- الوسطية: تُمثّل الوسطية في القضايا الإنسانية محوراً هاماً، تدور حوله قضايا ومسائل تفوت الحصر.

فقد جعل الله تعالى تركيب العقل البشري كما جعل تركيب طبائع كثير من الأشياء، محكوماً في كثير من الأحيان بقانون الوسطية، والشجاعة لها حدود، فإذا تجاوزتها صارت تهوراً، والحذر له حدود، فإذا تجاوزها صار جبناً وإحجاماً، وهكذا.

وهنا تتجلى نعمة الهداية التي أكرم الله تعالى بها هذه الأمة، فالأوساط هي التي تحدّد الأطراف، وهي التي تحكم عليها، وهذا واضح في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة:143] وحين يقبض شخص أو أمة على نظرات متوسطة، تجمع بين الانفتاح والانغلاق، والثبات والتطور، والمحلية والعالمية، والمثالية والواقعية، فإن ذلك سوف يعني إدراكاً موضوعياً للكون والإنسان والمعرفة، وسيؤدي ذلك إلى تكامل موضوعي وتكيّف مناسب، وهذا هو المطلوب، وأودّ أن أنوّه بأن أهل السنة والجماعة وسط بين الفرق الإسلامية المختلفة، كما أن أمة الإسلام وسط بين الأمم جميعاً، وما سنعتمد عليه هنا هو نماذج من مواقف أهل السنة والجماعة دون سواهم، لأنهم يُمثِّلون نواة الوسطية في أهل الرسالة الخاتمة.

من مظاهر الوسطية لا يستطيع المرء حصر مظاهر الموضوعية التي تجلّت فيها الوسطية عند علماء المسلمين، ولذا فسنقتصر على نماذج قليلة منها، تُبرز قسماتها على المستويين العقدي والسلوكي، لأنهما أهم المستويات التي تجلّت فيها الوسطية.

أ- المستوى العقدي: على مستوى الاعتقاد بذات الله تعالى وصفاته، فإن علماء أهل السنة والجماعة وقفوا الموقف الوسط، حيث أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه، وأخبر به رسوله r من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، وموقفهم ذاك كان استمراراً لموقف الصحابة رضوان الله عليهم، الذين لم يثبت عنهم أنهم سألوا عن معاني ما يقرؤونه من صفات الله تعالى في الكتاب والسنة، بل كانوا يكتفون بالفهم الأول الذي يتبادر إلى الأذهان من كل صفة، مع اعتقاد أن الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الشورى:11].

بينما ذهب كثير من الفلاسفة وبعض أتباع الديانات إلى المبالغة في التجريد، حين جعلوا الذات الإلهية عبارة عن فكرة تجمع الكمال المطلق، ثم راحوا يجردون هذه الفكرة، ويصفونها من كل ما خُيّل إليهم أنه ينال من كمالها.

وذهب اليهود إلى أن الله تعالى لا يزيد كثيراً عن واحد يعيش بينهم، وهو حين لا يسمح للناس أن يروا منه إلا ما أظهره. وهذا على المستوى العالمي.

أما المستوى الملي: فذهبت المعتزلة وأنكرت الصفات، مبالغة في التنزيه، وذهب كثير من غالية الشيعة إلى القول بالتجسيد، ومن ذلك أن الله تعالى حلّ في علي بن أبي طالب، وذهب آخرون منهم أن الله تعالى حلّ في خمسة بالسوية، وهم أصحاب الكساء، محمدr وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وقالوا: خمستهم شيء واحد.

ويظهر موقف أهل السنة والجماعة الوسط في مسألة هامة على صلة مباشرة بحرية الإنسان وعلاقته بخالقه سبحانه وتعالى، وهي قضية أفعال العباد، فذهبت الجبرية إلى أن أفعال الخلق كلها اضطرارية كحركات المرتعش وحركات الأشجار، وقابلتهم المعتزلة وذهبوا إلى أن جميع الأفعال الاختيارية من جميع الناس مخلوقة لهم، لا تعلّق لها بخلق الله تعالى، واختلفوا هل يقدر الله تعالى على أفعال العباد أو لا ؟

فالجبرية: غلوا في إثبات القدر، فنفوا صنع العبد أصلاً، والقدرية ومن وافقهم من المعتزلة – نفاة القدر- جعلوا العباد خالقين مع الله، وقد أسهمت عقيدة الجبر التي سرت في العامة سريان النار في الهشيم، إسهاماً بعيد الأثر، في كسل كثير من الناس، وقعودهم عن العبادة، بل وعن أعمال الدنيا في بعض الأحيان.

وذهب أهل السنة والجماعة إلى أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، فهو منفرد بخلق الناس وخلق أعمالهم، ولكن الناس قاموا بما قاموا به من أعمال مختارين، ولذا صاروا بها مطيعين أو عصاة.

والمسلمون وسط بين الأمم في شرائع دين الله، فلم يُحرّموا على الله تعالى أن يمحوا ما يشاء ويثبت.

ولم يجوّزوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيّروا دين الله، فيأمرون بما شاءوا وينهون عما شاءوا، كما هو شأن يهود في ذلك كله.

بل يرون أنّ له سبحانه وتعالى الخلق والأمر، وأنه يفعل ما يريد، وأن المخلوق ليس له أن يُبدّل أمر الله، حتى الرسل، فإنهم مبلّغون عن الله أمره، وهم أول الناس التزاماً به.

ويرى أهل السنة والجماعة أن الإيمان تصديق وإقرار وعمل، وهم وسط في ذلك، بينما ذهب غلاة المرجئة وقالوا: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة؛ وأما الخوارج: فكفّروا مرتكب الكبيرة؛ ويقف المعتزلة مذهباً عجيباً حين يقررون أن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو في منزلة بين المنزلتين، فكان مذهب أهل السنة وسط، فهم يقولون: لا بد من العمل، ولكن يفوضون أمر فاعل الكبائر إلى الله تعالى، وهم متفقون على أنه إن لم يعف الله عنه وأدخله النار فإنه لا يُخلّد فيها.

وقد انعكس ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من عدم التكفير بارتكاب الكبائر انعكاساً حسناً على العلاقات بين المسلمين، فالصحابة رضوان الله عليهم حين اختلفوا بعد مقتل عثمان، وجرى بينهم ما جرى من الاقتتال لم يُكفّر بعضهم بعضاً، ولم يستحلوا أموال بعضهم بعضاً، بل إنّ علياً رضي الله عنه قاتل الخوارج ولم يحكم بكفرهم، كما لم يحكم بكفرهم أحد من الصحابة، وعدّوهم مسلمين معتدين ظالمين، وكان علي يقول فيهم " إخواننا بغوا علينا"وكان لمذهب الخوارج أسوأ الأثر في علاقتهم بالمسلمين ,كماكان لموقف المرجئة الذي خُدع به كثير من العامة والدهماء آثار وخيمة في انحراف سلوك الناس، وإقدامهم على المعاصي، أما منح الشيعة ,العصمة لغير المعصوم وذريته من بعده فذلك هو الذي يقصم ظهر الاجتهاد والثوابت ويحوّل الناس إلى أوثان يعبد بعضهم بعضاً!!

وإن سرّ توسط أهل السنة والجماعة: أنهم لا يأخذون من النصوص ما يوافق أهوائهم، ويُعرضون عن الباقي، ولا يضربون بعض النصوص ببعض، لكنهم يعتقدون أن النصوص يُصدِّق بعضها بعضاً، ويهدي كل منها إلى جانب من جوانب البحث، وقد كتب الله لهم التوفيق في الجمع بينها!

ب- المستوى السلوكي: لقد وُجد في هذه الأمة –كما يوجد في كل أمة- من مال إلى التعنّت والتصلّب والابتعاد عن كثير من المباحات، كما وجد فيها من أخذ نحو التفلّت من الفرائض والواجبات، مدَّعياً أنه صار فوق التكليف!

وقد وقف العلماء من هذين النموذجين موقفاً حازماً، يستند إلى الحنيفية السمحة التي لا تُفرّق بين الغلو والتفريط، ونستطيع أن نختزل هذين الاتجاهين في نموذجين صغيرين، هما: أصحاب الوسواس، وأصحاب الحيل؛ حيث يمثل الأولون الغلو والتعنّت، ويمثل الآخرون الالتفاف على مقاصد الشريعة الغراء، متجاهلين أهداف التشريع، ومتعلقين بشكليات إجرائية بغية التفلُّت من الأحكام ومتابعة الأهواء.

فمن مظاهر الغلو: ما ابتُلي به بعض الموسوسين في قضايا الطهارة، فهو يريق كميات كبيرة من الماء، ظاناً أنه لم يسبغ الوضوء أو الغسل، وقد جاء رجل إلى أبي الوفاء بن عقيل، فقال له: أنغمس في الماء مراراً كثيرة، وأشكّ هل صح لي غسل أو لا؟ فما ترى في ذلك؟ فقال أبو الوفاء: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة! قال: كيف، قال أبو الوفاء: لأن النبيr قال: «رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ» ومن ينغمس في الماء مراراً ويشك هل أصابه الماء أم لا، فهو مجنون!!

وكثير من الناس ابتلي بالوسوسة في موضوع النية، فينشغل عند تكبيرة الإحرام، فيقول مثلاً: أصلي، أصلي، مراراً، وبلغ التنطّع ببعضهم: أنهم بدل أن يقول: أصلِّ أداءً، أعجم الذال، فقال: «أذاءً» لله، فقطع رجل بجانبه صلاته، وقال له: ولرسوله وجماعة المصلين!!

إن الاتّباع هو الذي يقضي على الوساوس وأنواع التعنّت، وقد قال زين العابدين لابنه: «يا بني، اتّخذ لي ثوباً ألبسه عند قضاء الحاجة، فإني رأيت الذباب يسقط على الشيء ثم يقع على الثوب، ثم انتبه، فقال: ما كان للنبيr إلا ثوب واحد! »

أما الآخرون، أصحاب الحيل: فقد فعلوا من المناكرمالا يعلمه إلا الله تعالى، حيث فعلوا من الحيل ما أحلوا به الحرام، وأسقطوا به الواجبات! ومن ذلك: أن امرأة أرادت أن تختلع من زوجها، «تدفع له مبلغاً من المال مقابل فراقها» فأبى زوجها ذلك، فأفتاها بعض أصحاب الحيل بأن ترتدّ عن الإسلام، فتبين منه، ففعلت؛ ومن ذلك أيضاً: إذا أراد الرجل الهروب من الزكاة، فيقوم ويهب ماله لزوجته قبل تمام الحول، ثم بعد ذلك تهبه له، ليبدأ حولا جديدا، دون أن يدفع شيئاً من الزكاة!!

وقد استطاع علماء المسلمين بلورة أصل هام في عمليات الاجتهاد، وهو مبدأ سدّ الذرائع، الذي يعمل في الاتجاه المضاد للحيل وأصحابها، فإذا كانت الحيل إجهاضاً لمقاصد الشريعة فإن مبدأ سد الذرائع هو حماية لتلك المقاصد، وسد للمنافذ التي تؤدي إلى الإضرار بها، وذلك إعمالاً لمبدأ آخر من مبادئ التفكير الموضوعي، وهو فقه الموازنات.

فقد ورد النهي عن الحدّ في دار الحرب، حتى لا يكون ذلك ذريعة للحاق المحدود بدار الكفار، واتفق الصحابة رضوان الله عليهم على قتل الجماعة الكبيرة بالواحد، وإن كان القصاص يقتضي المساواة، لئلا يُتّخذ ذريعة إلى هدر الدماء، وتعاون جمع على قتل معصوم الدم، وهكذا.

إنّ مجمل المبادئ الإسلامية التي تُمثّل نقاط الارتكاز في التوجهات الإسلامية قاطبة، تعمل جميعاً في اتجاه واحد، وهو «الوسطية» على كل المستويات.

وإن مظاهر التطرّف لا تلبث إلا يسيراً، حتى تكون شواهد على أصالة الوسطية في الشريعة السمحة.

«فصول في التفكير الموضوعي» لعبد الكريم بكار ص(137-155).

الخاتمة:

وبعد، أيه المستمعون، هذه بعض الصور التي تجلّت فيها الموضوعية في فكر علماء الأمة وأعمالهم، ونحن هنا لم نقصد إلى الاستقصاء والإحفاء، ولكن إعطاء الأمثلة والنماذج.

وقد فاتنا ذكر قضايا مهمة، لعدم اطلاعنا عليها، أو لعدم استيعابنا لها.

هذا ما نعلم، وفوق كل ذي علم عليم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

1  -  الاسم : العتيبي لا     من : الدوادمي      تاريخ المشاركة : 23/12/1428 هـ
اتمنى ان يطبع و يوزع على طلبة العلم لان الواقع بحاجة لهذا الكلام الطيب الغير مستغرب على شيخ شقراء

 

طباعة

7069  زائر

إرسال


كان يجيء فيدخل في فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها، فإذا علم أني نمت سلّ نفسه، ثم يقوم فيصلي، فقلت له: ارفق بنفسك. فقال: اسكن ويحك، يوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها زماناً. زوجة حسان بن أبي سنان [حلية الأولياء]
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 
  الصدق نجاة والكذب هلكة 

  نبذة عن شقراء 

عبائتي كمها ضيق فهل ألبسها؟   كيف يرقي الإنسان ويعوذ أولاده